مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

الموصل تنتظر الإنعاش:
إسعافات أولية لقلب المدينة القديمة

خاص
الموصل تلك المدينة التي غادرها داعش وبقيت انقاضها شاهدا على الكثير من الاحداث مازال جزؤها الأيمن مدمر ا بالكامل والحياة شبه مشلولة بانتظار ما يخبئه المستقبل.
14.12.2017  |  الموصل

 كأننا نتجول في مشرحة جثث، كممنا أنوفنا وأفواهنا ونحن ندنو من غبار كثيف يتصاعد عند مدخل زقاق ضيق ملتوٍ، أصوات آلات الحفر والجرافات لا تهدأ، وفي أزقة أخرى قريبة كان الهدوء قاتلا والرائحة الكريهة تزكم الأنوف.

 

قادنا صالح العبيدي أحد المساهمين في حملة اعمار سوق (باب السراي) إلى حيث تجرى إعادة تأهيل أكبر اسواق مدينة الموصل في الجانب الغربي، واكثر المناطق التي تضررت من العمليات العسكرية للقضاء على تنظيم "داعش".

 

بإمكانات متواضعة يروج هذا الشاب لعمليات رفع الأنقاض التي تبناها أبناء السوق – هكذا يسميهم – بعدما يئسوا من إمكانية تحرك الحكومة الاتحادية لتنفيذ عمليات الإعمار التي طالما تحدث عنها المسؤولون في بغداد ونينوى.

 

نحو (3000 طن) من الانقاض رُفعت من السوق التجارية التي كانت قبل الحرب تكتظ بالناس خمسون شاحنة كبيرة تنقل يوميا حطام الأبنية التي شيدت قبل مئات السنين على الطريقة التقليدية (جص وحجر)، يعلّق المقاول رضوان عبد الحافظ وهو يدوّن عدد الشاحنات التي تغادر الموقع.

 

مرت خمسة شهور على تحرير المدينة القديمة بالكامل، لم يسمح لنا بالدخول الى السوق الا قبل شهر، كانت منطقة عسكرية محظورة على المدنيين، حصلنا على اذن دخول من القوات العراقية المسؤولة عنها وها نحن ننفذ الحملة "نحك جلدنا بظفرنا"، يضيف بنبرة استياء.

 

بعض الباعة الصغار الذين قضوا سنوات طوالا في السوق ينادون على بضاعتهم، تحولوا الآن الى عمال بأجر بسيط، يحملون مجارف ومطارق كبيرة، وآخرون ينبشون الأنقاض قبل رفعها لإنقاذ بقايا البضائع التي اختلطت بالحجر والحديد.

 

"كانت تحظى بمعاملة المدللين، نعلقها على الجدران وننظفها يوميا قبل عرضها للبيع"، قال احمد منعم وهو ينتشل بسطا ممزقة من الركام.

 

ما يجري هناك جهد تطوعي ممول من الأهالي، كل صاحب محل يدفع (20) دولارا، وبعض الملاكين يساهمون بمبالغ أيضا، يقول مضر الخباز منسق الحملة.

 

ويؤكد الرجل الذي يفتخر بانه ورث العمل في السوق عن أجداده، هنا قلب الموصل، باب السراي واحدة من مجموعة أسواق متجاورة شكلت منذ مئات السنين المركز التجاري الرئيس للمدينة، ويضم وحده نحو (2000) دكان صغيرة ومتراصة.

 

امام العمل السريع خفتت الأصوات اليائسة، الكثير من أبناء السوق يجيئون لنقل بضائعهم الناجية، كنا نسمع بعضهم يقول "ألف سنة ما راح يرجع السوق"، الآن بعد مرور سبعة أسابيع على العمل صار مؤكدا أن قلب المدينة سينتعش من جديد.

 

يستدرك بينما يقودنا في جولة على ازقة اعيد تأهيلها: "كل السوق سيكون على هذا النحو قريبا جدا، وهناك عمارات مدمرة تتم إعادة بنائها وستكتمل سريعا".

 

رائحة موت معلن

عندما أنهينا جولتنا في السوق نفذنا الى شارع عريض مقارنة بالأزقة الضيقة التي قضينا فيها اربع ساعات، انه الحد الفاصل بين منطقتين قديمتين متجاورتين تجارية وسكنية.

 

استقبلتنا رائحة كريهة جدا، "انها رائحة الموت، تنبعث من المنازل المهدمة على ساكنيها"، همس مرافقنا صالح العبيدي.

 

نادى علينا رجل مسن "تعالوا صوروا". اقتربنا منه، كان يفتح باب دكانه المحطم بيدين مرتجفتين، "تفحمت البضاعة تماما، خمسين سنة وأنا اعمل هنا، تعب عمري كله راح" خنقته العبرة فأجهش باكيا.

 

ومن امام محل البازاز المتفحم تمر أسراب المارة تروح وتجيء إلى المنطقة السكنية في المدينة القديمة، ثمة من ينبش قبرا لأحد أفراد عائلته او أقاربه، سبق وان دُفن في غرفة المنزل أو حديقته اثناء الحرب، وحان الوقت لينقل الرفات إلى المقبرة.

 

والبعض يعود من زيارة خاطفة الى منزله محملا بأشياء بسيطة، اعترضنا طريق رجل وزوجته، عادا توا من محلة الميدان حيث منزلهما الذي دمر تماما.

 

نزع الكمامة عن أنفه، ليقول: دمار شامل، هذا ما بقي لنا. أشار الى ثلاثة أكياس حملاها على رأسيهما، محشوة بملابس واحذية وأواني مطبخ.

 

لا يوجد أي جهد لإعادة الحياة الى الأحياء السكنية في المدينة القديمة، بعض السكان يعودون لإصلاح ابواب منازلهم ورفع الأنقاض ثم يغادرون، حتى الآن لا يسمح لهم بالسكن فيها، هناك منازل ملغمة وعبوات وصواريخ لم يتم إبطال مفعولها بعد.

 

"لا يمر أسبوع الا وانفجر شيء ما، قبل يومين قتل شابان عندما دخلا منزلهما في المحلات القديمة"، يقول أحد أفراد الشرطة الذي يرابط في المنطقة.

 

الحِمل ثقيل، مدير بلدية الموصل عبد الستار الحبو قال لـ"نقاش"، ان نسبة الدمارهائلة، ثمة (11500) منزل مدمر في المدينة القديمة. وهو رقم قريب من اخر التقديرات التي صدرت عن الأمم المتحدة أواخر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتفيد بوجود نحو (7600) بناية مدمرة.

 

وانه يقدر حجم الأنقاض الموجودة في المنطقة بـ(3500) مليون متر مكعب، رفعت البلدية منه حتى الان (1250) مليون متر مكعب.

 

حتى الآن لا توجد أية تخصيصات مالية للبدء بالاعمار. وبنبرة متشائمة يكمل الحبور، مشيرا الى الجسر الحديدي، وزارة الاعمار والإسكان والبلديات تقوم بإعمار هذا الجسر، من المؤمل ان يعود الى العمل بعد شهرين، والمحاولات قائمة لإعادة إصلاح جسر آخر على نحو جزئي.

 

لا الحركة التجارية في السوق ولا الحياة في الاحياء السكنية بالمنطقة القديمة ستعودان الا اذا اعيد فتح الجسور بكامل طاقتها، وليس كما جرى في الجسر الخامس الذي تم ترقيعه او حتى بالجسر العائم الذي تم نصبه مؤقتا.

 

الأيام تعدو والحكومة الاتحادية ما زالت تتجاهل إعمار الموصل، لكن هناك من يعتقد ان الحكومة تؤجل أي اعمار في المدينة القديمة والبنى التحتية، لحين انعقاد مؤتمر المانحين المزمع عقد في الكويت شباط (فبراير) المقبل.

 

لن ينتظر البزاز العجوز هذا المؤتمر، سيعيد فتح دكانه، كما أكد وهو يمسح دموعه، لكن لن يستطيع أحد إعادة الجسور والمشافي والمدارس وغيرها.

 

 

 

 

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.