مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

نتائجها خارج التوقعات:
صفقة غير واضحة خلّفت بكاء مقاتلين وموجات نزوح

شالاو محمد
مع كون الصراع والمواجهة بين الجيش العراقي والبيشمركة في كركوك كان متوقعاً، إلا أن وجهة الأحداث كانت خارج كل توقعات المواطنين.
19.10.2017  |  كركوك
القوات العراقية تتقدم باتجاه مركز مدينة كركوك (الصورة: احمد الربيعي)
القوات العراقية تتقدم باتجاه مركز مدينة كركوك (الصورة: احمد الربيعي)

 في منتصف ليلة السادس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) سهر معظم أهالي كركوك أمام شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، وكانت الأخبار حول كركوك تتوارد لحظة بلحظة، وكانت جميعها تتحدث عن أن البيشمركة تخوض معركة شرسة ضد الجيش العراقي والحشد الشعبي، ولكن فجأة حدث أمر مختلف: كانت قوات البيشمركة تترك خطوطها لحظة بلحظة كما لو انها تلقت أوامر مباشرة بعدم خوض مواجهات.

 

لا تزال هذه الأخبار بالنسبة لمواطني كردستان غير قابلة للتصديق، حيث كانوا يسألون: كيف يمكن لكل تلك القوات التي تم تحشيدها في كركوك أن تترك مواقعها بهذه السرعة؟ وكيف يصدر القادة العسكريون أوامر بالانسحاب في حين كانوا قد أعلنوا الليلة السابقة أن الجيش والحشد الشعبي لن يدخلوا كركوك إلا على جثثهم؟

 

لم تتضح الصورة كاملة، إلا أن جميع التفسيرات تتجه إلى انه كان هناك اتفاق سري بين الجانبين العراقي والكردي دون وضوح الهدف.

 

ماذا حدث؟

في الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة السادس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) وقعت أول مواجهة مسلحة بين قوات شرق دجلة في الجيش العراقي والحشد الشعبي من جهة وقوات الكوماندو التابعة لوحدات (70) للبيشمركة واللواء الثاني للإسناد في قوات البيشمركة من جهة أخرى، كانت القوات العراقية متجهة نحو مطار كركوك فيما عرقلت البيشمركة تقدمها.

 

وقال اللواء رسول كركوكي قائد محور جنوب كركوك لقوات البيشمركة في تعليق إلى "نقاش": انه "عندما توجهنا إلى ناحية تازة لمنع الحشد الشعبي وقوات شرق دجلة في الجيش العراقي من التوجه الى مطار كركوك، تواجه الطرفان قرب جسر الحي الصناعي وحدثت اشتباكات عنيفة استخدمت في معظمها الأسلحة الثقيلة".

 

لم تمر إلا ساعات وكانت قوات البيشمركة تخوض المعركة عندما أتتها أوامر من الجهات العليا بمغادرة المنطقة فوراً، ثم تقدم الجيش العراقي والحشد الشعبي نحو المواقع المستهدفة دون مقاومة.

 

ظهر عدد كبير من البيشمركة في القنوات الإعلامية وهم يبكون ومستاؤون من قادتهم، كانوا يرددون العبارة نفسها وهي "لقد تم بيعنا"، في إشارة إلى أن قادتهم اتفقوا مع الجيش العراقي والحشد الشعبي ولم يسمحوا لهم بالمقاومة.

 

وقد تحدث احد البيشمركة المشاركين في الاشتباكات لـ"نقاش" شريطة عدم ذكر اسمه قائلا: "كنا مسيطرين على المعركة ونقاوم، ولكن اتصل بنا قائد عسكري فجأة وأمرنا أن ننسحب، ورفض احد ضباطنا ذلك وقال يجب أن استشهد هنا، ولكن القائد قال له إن لم تنسحب سآتي وأقتلك بنفسي فانسحبنا".

 

أما داخل كردستان فيقال إن ما حدث كان اتفاقا بين الجانبين العراقي والكردي بإشراف الإيرانيين، حتى انه تم خلال لقاء القمة بين الحزبين الحاكمين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) الذي جرى يوم السبت الماضي بحث الاتفاق قبيل حدوث المعارك بساعات.

 

بعض المصادر تقول إن الجانب الكردي وافق خلال الاجتماع الذي تم بإشراف فؤاد معصوم رئيس الجمهورية العراقي ومسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان بالمطالب تحت ضغط إيراني، وان كان الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي ينفيان الاتفاق.

 

وكان البيشمركة المتواجدون في الجبهات يلومون قادتهم على انه إذا كان هناك اتفاق فلماذا أرسلوهم لخوض المعارك التي قتل فيها زملاء لهم، أما القادة العسكريون فيعترفون بفشلهم ويقولون إن ما حدث كان انسحابا تحت ضغط "حرب غير متوازنة" وليس اتفاقاً.

 

 

 

 

 

 

وقال اللواء رسول كركوكي قائد محور جنوب كركوك لقوات البيشمركة في حديثه لـ"نقاش": حول ماحدث "في وقت كنا ندافع، هاجم الحشد الشعبي من قرية البشير المناطق الخاضعة لسيطرة البيشمركة ومنها مكتب خالد وتل الورد وملا عبدالله لذلك انسحبنا من محيط كركوك".

 

وأضاف: "لقد خضنا قتالا ضد ثلاث دول كبيرة اتفقت على عودة كركوك إلى ما كانت عليه قبل الحرب ضد داعش، وكان هذا كل إمكانياتنا للدفاع"، وذلك في إشارة الى اتفاق كل من العراق وإيران وتركيا على الهجوم.

 

وفي يوم الهجمات أصدرت القيادة العامة لقوات بيشمركة كردستان بيانا وذكر لأول مرة اسم الجانب الإيراني، اذ قالت ان الهجوم تم من قبل "الحشد الشعبي التابع لقوات باسداران الإيرانية (الحرس الثوري) وبقيادة إقبال بور وبمساندة القوات العراقية" كما اتهمت بعض مسؤولي البيشمركة بـ"الخيانة".

 

وفي مساء اليوم نفسه أعلن جعفر الشيخ مصطفى قائد قوات (70) للبيشمركة أن الانسحاب كان بأوامر مباشرة منه وقال: "قمت بذلك لحماية أرواح البيشمركة وسأتحمل كل المسؤولية".

 

وحتى المساء من ذلك اليوم سيطر الجيش والحشد الشعبي على كركوك بالكامل وكانت خسائر البيشمركة (32) قتيلا ومئة جريح و(17) مفقودا" في مقابل مقتل (11) مسلحا من الحشد وجرح (29) آخرين.

 

وبالإضافة إلى السيطرة على كامل كركوك، سيطر الجيش أيضاً على المطار والقواعد العسكرية وجميع حقول النفط التي كانت تحت سيطرة البيشمركة.

 

كركوك أمام مخاوف النزاع القومي

ومع انسحاب البيشمركة، توجه معظم السكان الكرد في المدينة الى مدن أربيل والسليمانية في اكبر موجة نزوح لسكان المدينة بعد النزوح الجماعي في عام 1991.

 

ويبعد طريق كركوك-أربيل وكركوك-السليمانية ساعة واحدة بالسيارة، إلا أن الزحام في ذلك اليوم تسبب في وصول المواطنين من كركوك إلى المدينتين بتسع ساعات.

 

وقال آزاد حمه امين (37 سنة) وهو مواطن من كركوك لديه محل لبيع كماليات السيارات وكان احد الذين غادروا المدينة لـ"نقاش": انه "أثناء قدوم داعش وعلى الرغم من التهديدات التي كانت تواجه المدينة إلا أننا كنا نرى باستمرار الخطوات الواضحة للكرد وهم يخطون نحو مستقبل مشرق، ولكن هذه المرة وقد مني البيشمركة بالهزيمة واعترف المسؤولون بفشلهم وغادروا كركوك، غادرنا نحن أيضاً بدورنا المدينة".

 

وأضاف آزاد: "لا نستطيع العودة إلى مدينتنا، فهناك شائعات تقول انه ستتم معاقبة واهانة من صوت بنعم للاستفتاء وكذلك التابعين للأجهزة الأمنية".

 

وفي اليوم التالي عاد عدد كبير من أهالي المدينة شيئا فشيئا إلى منازلهم وقال بعض منهم إنهم لم يروا تصرفا سيئا من الجيش والحشد الشعبي وإنهم كانوا يحترمون أهالي المدينة، ولكن هناك ممن بقوا في المدينة من يقول إن مسلحي الحشد والجيش قاموا باهانة الأهالي.

 

وحين قرر مجلس المحافظة ومحافظ كركوك في العشرين من آذار (مارس) الماضي رفع علم كردستان فوق المؤسسات، أثاروا استياء العرب والتركمان في المدينة، وعندما جرت عملية الاستفتاء في كركوك في الخامس والعشرين من أيلول (سبتمبر) الماضي، أعربوا عن استياء اكبر، لذلك كان من المتوقع ان يكون لهم ردود أفعال مع مجيء الجيش والحشد الشعبي.

 

وبعد سيطرة الجيش والحشد على المدينة بدأ الكثيرون من العرب والتركمان في المدينة بالاحتفال والتعبير عن فرحهم كما قام الجيش وبعض أهالي المدينة بإزالة علم كردستان من المؤسسات والشوارع العامة.

 

فيديو ازالة علم كردستان داخل مجلس محافظة كركوك

https://twitter.com/zaidbenjamin/status/919978548705873920

 

وحول ذلك قال ارشد صالحي رئيس الجبهة التركمانية العراقية لـ"نقاش": انه "من حق المواطنين التركمان والعرب الاحتفال، لان السلطة الإدارية والأمنية كانت تدار من قبل المسؤولين الكرد بشكل فردي، بالاضافة الى ان حياة قادتنا لم تكن محمية وقد تعرض العديد من قادتنا بعد الحرب ضد داعش إلى اغتيالات سياسية".

 

إلا أن صالحي أعرب عن معارضته لمعاقبة المواطنين الكرد وقال: "نحن ضد اتخاذ أية ردود أفعال ضد الكرد".

 

القوات الجديدة التي دخلت المدينة بدورها أيضاً كانت قد تعهدت بضمان سلامة أرواح الأهالي وطالبتهم بالعودة.

 

وقال اللواء علي فاضل قائد عمليات شرق دجلة لـ"نقاش": حول ذلك "في اليوم الاول من تنفيذ عمليتنا جئنا لتنفيذ اوامر القائد العام للقوات المسلحة العراقية وهي عودة السلطة الاتحادية وانتشار قواتنا في مواقع محددة وليس كما يشاع من أننا جئنا لقتل وتعذيب المواطنين الكرد"، وأضاف: "نحن لن نبقى داخل المدينة وسنسلم المدينة بالكامل لشرطة المحافظة".

 

ومع حدوث بعض أعمال الاعتداء على الأهالي من قبل الحشد الشعبي داخل كركوك وقيام البعض من اهالي المدينة بنشر صور وفيديوهات لاستفزاز الكرد، الا ان الملاحظ ان تلك التصرفات لم تؤد إلى نزاعات بين الكرد والعرب والتركمان، فعندما نزح الكرد قام العديد من جيرانهم العرب والتركمان بالاتصال بهم للاطمئنان عليهم وإبلاغهم بالّا يحملوا همَّ منازلهم وممتلكاتهم لأنهم سيحرسونها، كما أطلق العديد من الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي من اجل وحدة أهالي المدينة.

 

وكانت إحدى الصور التي لاقت اكبر صدى، هي صورة مواطن عربي كتب على باب جاره الكردي "الدخول إلى منزل اخي الكردي ممنوع بأمر من أخيه النازح ابن الحويجة".

 

وفي مساء الأربعاء الماضي غادر بعض أهالي كركوك المدينة وقد تحدث مراسل "نقاش" مع عدد منهم حيث قالوا إن فصائل الحشد الشعبي هاجموا المنازل وأهانوا الأهالي لذلك تركوا ديارهم.

 

تعمق الخلافات بين القوى الكردية

القوتان الرئيسيتان في كردستان (الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني) اللتان تملكان قوات مسلحة وكانتا تديران معا الملف الأمني في كركوك استغلتا الحدث كفرصة لإلقاء مسؤولية الانسحاب من كركوك على الطرف الآخر.

 

فمنذ فجر ذلك اليوم بدأ الجانبان بتركيز عناوينهما الإعلامية ضد بعضهما فيما قام مناصروهما بنشر منشورات ضد بعضهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وقد أعلنت القنوات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني (روداو – كردستان 24) صراحة ان الاتحاد الوطني قد اتفق مع إيران وقد انسحب من كركوك كما اتهمت (بافل) ابن جلال طالباني بأنه اتفق مع قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع لقوات الحرس الثوري.

 

وفي المقابل شنت قناة (كردسات) التابعة للاتحاد الوطني هجوما شديدا ضد الحزب الديمقراطي وأعلنت "اذا كان الانسحاب من كركوك قد تم باتفاق، فلماذا سلم الحزب الديمقراطي سنجار ومخمور الى الجيش والحشد دون إطلاق نار" حتى أن مسؤولين في الاتحاد الوطني طالبوا عبر القناة بارزاني علنا باستقالة.

 

وفي أول رد فعل له ألقى بارزاني في بيان نشر الثلاثاء الماضي مرة أخرى المسؤولية على مسؤولي الاتحاد الوطني بشكل غير مباشر وجاء في البيان ان "ما حدث في كركوك كان قرارا فرديا من قبل عدة أشخاص داخل حزب معين" من دون ذكر أسماء.

 

وفي المقابل اعلن قادة عسكريون في الاتحاد الوطني ان قرار الانسحاب اصدره بارزاني بنفسه ولكنه يتبرأ منه الآن.

 

اما أهالي كردستان فقد أعربوا على مواقع التواصل الاجتماعي عن استيائهم البالغ من الحزبين السياسيين في كردستان وكذلك من "قرروا إجراء الاستفتاء دون تفكير". فيما أطلق نشطاء حملة واسعة على مواقع التواصل تحت اسم (#BASA)  يطالبون فيها مسؤولي كردستان بالاستقالة.

 

اما من قتل ابناؤهم في تلك المعركة فغاضبون جدا، وقالت والدة احد القتلى في مراسيم عزاء ابنها وهي تبكي: "ان كنتم قد أبرمتم اتفاقا فلماذا أحرقتم أكبادنا؟".

 

من الواضح ان كركوك لن تعود الى سابق عهدها، ويدور الحديث الآن عن ثلاثة سيناريوهات، وهي اما تذهب الى سلطة بغداد بشكل كامل، او ستستردها البيشمركة بالقوة وهو صعب التحقيق أو يتفق الجانبان الكردي والعراقي بإشراف دولي على إدارة مشتركة وهو أقوى السيناريوهات.

 

وتعيش كركوك هذه الأيام وضعا هادئا وينتظر أهلها ما سيحدث دون ان يكون لهم تصور واضح، وفي المحصلة فان ما حدث سواء اتم عبر اتفاق او عن طريق القتال، كان ضحاياه هم من الذين لم يكن لهم علم بالصفقة السرية.

 

العميد عزيز علي قائد الفوج الرابع في اللواء (102) للبيشمركة الذي تحدث لـ"نقاش" يوم الجمعة الماضي معربا عن قلقه من احراق علم كردستان، كان احد قتلى معركة كركوك.

 

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.