مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

تخضع لحظر التجوال في بعض مناطقها:
أبو غريب.. أشباح برتب عسكرية تقلق السكان

إبراهيم صالح
تعيش منطقة أبي غريب ظروفاً مختلفة عن الكثير من مناطق بغداد في الجانب الأمني، إذ أن وقوع المنطقة على الطريق المؤدي إلى الفلوجة جعل من وضعها مختلفاً عن الكثير من الأقضية والنواحي الأخرى التابعة للعاصمة.
12.10.2017  |  بغداد
 (الصورة: وزارة الدفاع العراقية)
(الصورة: وزارة الدفاع العراقية)

 ينتظر راضي سعدي (44 عاماً) لأكثر من ساعتين في سيارته أمام نقطة التفتيش بانتظار السماح له بالدخول إلى منطقته في قضاء أبي غريب غربي العاصمة بغداد، يشير الوقت الى التاسعة مساءً وهو ليس موعد إغلاق المنفذ الوحيد الذي يدخل سعدي منه يوميا إلى قرية الزيدان حيث منزله هناك.

 

يترجل سعدي ليستفسر عن سبب إغلاق نقطة التفتيش فيجيبه أحد عناصر النقطة العسكرية بأن نقطة تفتيش قريبة تعرضت لإطلاق نار من قبل مجهولين فأغلقت المنطقة لمنع هروبهم خارجاً.

 

يخشى سعدي والعشرات غيره أن لا يُسمح لهم بالدخول الى المنطقة قبل الصباح في حال بدء وقت حظر التجول الذي لا يزال ساريا في قاطع مسؤولية الفرقة السابعة عشرة من الجيش العراقي في ابي غريب.

 

 الحظر يبدأ من قرية (الزيدان) وصولاً الى قرية (عبيد السهر) ويستمر كل ليلة بدءاً من منتصف الليل وحتى الرابعة فجراً خلافاً لأغلب مناطق العاصمة بغداد التي رفع فيها حظر التجوال قبل أكثر من سنتين.

 

وتجري في الأثناء عملية بحث عن المشتبه بهم ولا تسفر بالنتيجة عن شيء فالمنفذون تمكنوا من الاختباء بكل سهولة في القرى المجاورة.

 

لا يمكن لغير الساكنين هنا الدخول إلى المنطقة من دون المرور بنقطة التفتيش هذه والخضوع لتفتيش دقيق للتأكد من عدم حملهم للسلاح الذي يُخشى أن يستخدم في عمليات الاغتيال كما أنهم لا يتمكنون من الخروج من هذه المنطقة من دون المرور بنقطة تفتيش مماثلة.

 

هي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها نقاط التفتيش في أبي غريب الى هجمات مسلحة تفضي إلى قتل وجرح عدد من عناصر الأمن فيها، "دائما ما تتعرض نقاط التفتيش في هذا القاطع الى هجمات مسلحة" يقول سعدي لـ"نقاش".

 

ويضيف "المعروف هنا أن سيارات تتجول من دون لوحات تسجيل تُتهم بتنفيذ عمليات الاغتيال ومهاجمة نقاط التفتيش وهكذا سيارات لا يمكن أن يتجول بها إلا من يحمل الباجات الأمنية وهم من سكان المنطقة ولا أحد يستطيع إدخال سلاح وإخراجه بسهولة".

 

عند العاشرة مساءً يسمح لسعدي وبقية الموجودين عند هذا الحاجز الأمني بالدخول شريطة أن يحمل كل منهم بطاقة السكن التي تؤكد أنه من سكنة إحدى المناطق ضمن قاطع مسؤولية الفرقة ذاتها.

 

يوقف أحد عناصر النقطة رجلاً في الأربعين من عمره مانعاً إياه من الدخول الى المنطقة قبل أن يخرج إليه من يكفله من داخلها، "أنا في زيارة لأحد أقاربي" يقول الرجل الأربعيني، "اتصل به إذن ليأتي هنا ويجلب معه بطاقة السكن" يرد رجل الأمن.

 

يوضح رجل الأمن لـ"نقاش" أن الأوامر تقضي بتدقيق هوية الداخلين الى المنطقة عبر نقطة التفتيش خشية أن يتسلل إليها أحد المتورطين بعمليات استهداف القوات الأمنية فيها إذ يحتاج الزائر إلى من يكفله للدخول الى إحدى مناطق قاطع المسؤولية هذا.

 

لا تقتصر عمليات استهداف القوات الأمنية على الهجمات التي ينفذها مجهولون على نقاط التفتيش والسيطرة المنتشرة في شوارعها فهي أيضا تستهدف ضباط الجيش أينما كانوا في عمليات تبدو أنها تتم بدوافع إرهابية.

 

لكن بعض هذه الهجمات تخرج عن هذا السياق فهي تنفذ بعد وقوع مشاحنة مثلا بين أحد السكان المحليين وعناصر القوات الأمنية لأسباب مختلفة.

 

ففي إحدى المرات تعرض برج مراقبة أمني لإطلاق نار من أسلحة رشاشة ليلاً ليقضي أحد عناصر الأمن ويصاب آخران برفقته وعُرف وقتها أن الهجوم له علاقة بتحرش أحد عناصر برج المراقبة بامرأة عشرينية مرت عصر ذلك اليوم بالقرب منه.

 

الطبيعة السكانية لهذه المناطق الزراعية ذات الطابع الريفي تتميز بكونها ذات أغلبية عشائرية إذ أن أغلب السكان المحليين هنا هم من العشائر العربية كزوبع وتميم وجبور وغيرها.

 

ترفض العشائر أن يتم التحرش بإحدى نسائها وإن كان تحرشاً لفظياً كما أنها ترفض التعرض لأحد أبنائها بطرق استفزازية كما يحدث أحياناً من قبل بعض عناصر الأمن في المكان.

 

فأبناء العشائر المعروفون بغيرتهم على عرضهم ومساندتهم لأبناء عمومتهم سرعان ما يثورون إذا ما سمعوا بأن بنت عشيرتهم تعرضت لتحرش أو أحد أبنائها تمت مضايقته.

 

يجيب مهدي الزوبعي أحد شيوخ عشائر قرية زوبع بأبي غريب قائلاً لـ"نقاش" إن "العشائر العربية الأصيلة لا ترضى أن يتم الاعتداء على أفراد القوات الأمنية فهم أيضاً أبناء عشائر جاؤوا هنا ليؤدوا دورهم الوطني والشرعي".

 

لكن الزوبعي يعتقد أن هنالك من يحاول استغلال هذه الحالات لاستهداف القوات الأمنية وتصوير أن العشائر هي من تقف وراءها، مشيرا إلى ان بعض المشتبه بقيامهم بهكذا عمليات هم ضباط في الجيش العراقي السابق استغلوا وجودهم في الجيش الحالي الذي وفر لهم الهويات التعريفية والسلاح ما يمكنهم من تنفيذ هذه العمليات بسهولة.

 

كما أن الزوبعي يبدي خشيته من استمرار هذا الوضع في حال بقاء الضباط هؤلاء في مواقعهم على اعتبار أن هؤلاء الضباط وأغلبهم من السكان المحليين لقرى ومناطق أبي غريب مستفيدون من بقاء الوضع متدهورا لكونه سيجعل القيادات الأمنية مضطرة لعدم التخلي عنهم رغم معرفتها بخلفياتهم.

 

استمرار الوضع الأمني على ما هو عليه سيجعل القاطع الأمني برمته مصنفاً أيضاً كمنطقة ساخنة ذات خطورة عالية ما يعني استمرار تسلم هؤلاء الضباط لمخصصات الخطورة فوق رواتبهم والتي لا تقل عن 500 ألف دينار عراقي فضلا عن استمرارهم في تلقي الرشى من قبل أصحاب المصالح التجارية لحمايتها من قبلهم، كما يرى الزوبعي.

 

أدت هكذا حوادث إلى خلق فجوة بين السكان المحليين وعناصر قوى الأمن المنتشرة هناك طالما حاولت القيادات الأمنية ردمها دون جدوى.

 

وفي حال كانت العشائر بريئة من هذه العمليات فإن فرضية وجود خلايا نائمة مرتبطة بتنظيم داعش هي من تنفذ هذه العمليات تبقى قيد الدراسة.

 

فوفقاً لهذه الفرضية التي تبرهن نفسها في بعض مناطق حزام بغداد كالطارمية مثلاً فإن هذه الحوادث تخلق بيئة مناسبة لمن يعتقد أنهم عناصر منتمون لخلايا داعش من الذين باتوا يحرضون السكان المحليين مستغلين عواطفهم لزرع الكراهية تجاه أفراد القوات الأمنية.

 

كما أن استخدام وتر الطائفية واستغلال مشاعر البعض ممن كانوا ينتمون لحزب البعث المنحل والنظام السابق كما هو الحال في بعض مناطق ابي غريب كلها أوراق تستخدمها الخلايا المفترضة لتنظيم داعش هناك لإذكاء الفتنة بين السكان المحليين وأفراد قوى الأمن كما هو الحال في منطقة حميد شعبان التي تحمل اسم احد ابرز القادة العسكريين في زمن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.

 

تقع منطقة أبي غريب في منتصف الطريق الرابط بين مركز العاصمة بغداد التي يتبعها قضاء ابي غريب إدارياً وبين مدينة الفلوجة أهم مدن محافظة الأنبار الى الغرب من العاصمة (الخارطة أدناه).

 

https://www.google.com/maps/place/%D8%A3%D8%A8%D9%88+%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D8%8C+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%E2%80%AD/@33.3079829,44.2184066,11z/data=!4m5!3m4!1s0x1559deb6ea927ed1:0xec5ca4202ed4acf9!8m2!3d33.297611!4d44.0817686

 

يتضمن قضاء ابي غريب ناحيتين هما (النصر والسلام) و (إبراهيم بن علي) ويسكن هاتين الناحيتين ومركز القضاء أكثر من 300 ألف نسمة وفقا لتقديرات رسمية في العام 2014.

 

توضح الخارطة أن قضاء ابي غريب يجاور ناحيتي الفلوجة والكرمة بمحافظة الأنبار وناحية الرضوانية في العاصمة بغداد وهي مناطق ظلت لفترات طويلة مصدر قلق أمني على اعتبار أنها تضم خلايا نائمة لتنظيم داعش تتسلل بينها وبين مناطق ابي غريب.

 

في السنوات القليلة الماضية تمكن الشيعة من إحياء طقوسهم الدينية بحرية أكبر في بعض مناطق قضاء ابي غريب إذ ساعدهم في ذلك الانتشار الأمني الذي تم تدعيمه عام 2014 بفصائل من الحشد الشعبي كعصائب أهل الحق وغيرها بهدف طرد مقاتلي تنظيم داعش وخلاياه النائمة من القضاء.

 

لكن هذا الأمر ساعد بصورة غير مباشرة في خلق أهداف أخرى باتت حمايتها واجبة على القوات الأمنية بما يزيد من أعبائها.

 

فالجهة المسؤولة عن استهداف الضباط وتحريض السكان المحليين على عناصر القوى الأمنية في أبي غريب هي نفسها التي تحاول استهداف المواكب والحسينيات فخلط الأوراق هنا غاية تعددت وسائل تحقيقها.

 

لكن قيادة عمليات بغداد لا تعتقد أن هذه المناطق تضم خلايا نائمة لتنظيم داعش وهو ما يجعل أصابع الاتهام موجهة إلى شريحة واحدة وهي شريحة الضباط الفاسدين الذين لم يُعرف بعد إذا ما كانت أهدافهم شخصية مشتركة مع بعضهم البعض أم أنها منظمة تتمثل بأهداف أخطر ترقى الى مغازلة تنظيم داعش أو لتجسيد نشاطات خلايا حزب البعث الخفية هناك.

 

ويعتقد قائد عمليات بغداد الفريق الركن جليل الربيعي أن المناطق الغربية للعاصمة بغداد المتمثلة بقضاء أبي غريب تحتاج لمستوى أعلى من الجهد الاستخباري فالوضع في أبي غريب مسيطر عليه رغم وقوع بعض الحوادث، كما يؤكد الربيعي.

 

لكن بالنتيجة تبدو الفجوة بين السكان المحليين وعناصر القوات الأمنية في اتساع مقلق مشابه لما حدث عقب سقوط نظام صدام حسين في سنوات ٢٠٠٣ وما تلاها ما يهدد بانفلات الأوضاع الأمنية هناك لصالح تنظيم داعش أو ربما لصالح تنظيمات حزب البعث التي يُرجح أنها عادت تنشط شيئاً فشيئاً.

 

فمن يُعتقد أنهم يقفون وراء هذه العمليات وفقا للمعلومات الاستخبارية ضباط سابقون وحاليون لم يتم التأكد من ارتباطهم بتنظيم داعش وهو أمر مقلق للغاية لكونه لا يكشف هوية المتهم في هذه الحوادث بما يشير إلى أن طرفاً آخر هو من يقف وراءها لا تمتلك القوات الأمنية دليلاً على تورطه.

 

بالمختصر فإن اللعبة الذكية تتمثل بوجود ضباط فاسدين في الجيش الحالي كانوا ضباطاً في الجيش السابق يستغلون الغطاء الرسمي والعشائري ويوهمون السكان المحليين بأن القوات الأمنية ترغب بالانتقام منهم كما يصورون للمتابع أن تنظيم داعش هو من يستهدف القوات الأمنية مع إعطاء انطباع مشاكس بأن تنظيمات حزب البعث لها دور في الموضوع.

 

هذه الأشباح التي تحمل رتباً عسكرية بغض النظر عن انتماءاتها فإن لها مصلحة خاصة أو مشتركة في إعادة قضاء ابي غريب الى حالة الانفلات الأمني التي عمته عقب أحداث عام 2003 والتي جعلت منه مرتعاً لقوى إرهابية وأخرى حزبية رفضت التغيير السياسي في العراق وقتها.

 

ومع هذا تبدو القوات الأمنية متيقنة من أنها ستتمكن من مواجهة هذا التحدي الذي تراه أقل خطورة من تحديات أخرى تمكنت من مواجهتها في فترات سابقة ومناطق أخرى.

 

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.