مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

رائحة الموت في كل مكان:
أشلاء بشرية وهياكل عظمية تحت ركام منازل الفلوجة

كمال العياش
لم يعد الدمار والخراب من أهم الأسباب التي تؤرق العائلات العائدة إلى مدنها المحررة، بعدما عثر على عشرات الجثث المتفسخة تحت ركام المنازل، والتي أصبحت تمثل خطرا وبائيا وعائقا نفسيا، يعرقل عجلة الاستقرار.
23.11.2016  |  الفلوجة
الفلوجة  (الصورة: موضح الدليمي)
الفلوجة (الصورة: موضح الدليمي)

منذ منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي، بدأت العائلات بالعودة الى المدن المحررة، ومنها مدينة الفلوجة (60) كم غرب العاصمة بغداد، بعدما كثفت الحكومة المحلية حملاتها الإعلامية، التي تطالب السكان المحليين بالعودة والعمل على إعادة الحياة تدريجياً إلى المدينة، التي كانت مغتصبة من قبل داعش لأكثر من عامين.

 

يمثل انتشار الجثث المتفسخة تحت أنقاض المباني، تحديا كبيرا ليس للعائلات وحدها وإنما للحكومة المحلية وأجهزتها الأمنية والخدمية، لاسيما وان معظم تلك الجثث يشتبه بأنها  لمسلحين، وعملية التخلص منها، بحاجة الى فرق هندسية متخصصة برفع المتفجرات، التي أصبحت من أولويات التعامل مع كل ما يتعلق بالمسلحين، أحياء كانوا أم أمواتاً.

 

أيمن المرماوي، (46 عاما) لم يُفاجأ كثيرا عند رؤيته ركام منزله في حي الضباط وسط المدينة، لأنه كان قد اطلع على صور فوتوغرافية أرسلها له احد أصدقائه، قبل أن يقرر العودة الى منزله مع عائلته.

 

المرماوي، تحدث لــ"نقاش" حول الموضوع قائلا "اقتربت من ركام منزلي وأنا أفكر في  أولويات عملي ومن أين أبدأ، إلا أن رائحة نتنة أزكمتني وأنا أتجول حول المنزل، البحث عن مصدرها صار شغلي الشاغل، حتى وجدنا أنها بقايا جثث تحت الأنقاض".

 

وأضاف أيضاً "اخبرنا القوات الأمنية، وأصبحنا متيقنين أن هذه الأشلاء تعود لجماعات داعش، إلا أننا لم نتمكن من معرفة عدد الجثث التي كانت تحت الأنقاض، وبسبب خوفنا من وجود بعض المتفجرات والقنابل، امتنعنا عن التعمق في البحث، وقررت أن أباشر بجرف المنزل والتخلص من بقايا تلك الجثث وكل ما يتعلق بها، ومعها ذكرياتنا ومقتنياتنا التي مازالت تحت الركام".

 

كما أشار المرماوي، الى أن "وجود تلك الجثث تحت ركام المنزل، دليل على إصابات موفقة وناجحة للقوات الأمنية في استهداف المسلحين إبان العمليات العسكرية، إلا أنها في الوقت ذاته إدانة للحكومة المحلية و أجهزتها كافة، بأنها لم تقم بواجبها على أكمل وجه، فالجثث مازالت في كل مكان".

 

يقول عامر الحلبوسي، (53 عاما) الذي يقطن منطقة "النزيزة" عندما تحدث لــ"نقاش": انا "كنت اعلم جيدا أن بيتي لم يدمر كليا، ومازال بعضه منتصبا الأمر الذي شجعني على العودة والشروع في ترميمه من جديد، وما لم يكن ضمن حساباتي أن ركام منزلي يحتوي على أشلاء بشرية تناثرت بين زواياه".

 

واستذكر "أفزعتني صرخة ابنتي ذات العشر سنوات، عندما كانت تسحب قطعة قماش من تحت الأنقاض تحسبها قطعة من ملابسها، حين ظهرت ومعها عظام بشرية تغيرت المعادلة في وقتها وأصبحنا نعلم أن بيتنا قد سقط على أناس لا نعلم إن كانوا أبرياء أم مسلحين، الحقيقة الوحيدة التي نعلمها أننا لا نستطيع السكن في هذا البيت على اقل تقدير في الوقت الحالي".

 

وقال أيضا "إننا لسنا الوحيدين من وجدوا في منازلهم جثث وهياكل عظمية، فعند تحدثي لبعض الأصدقاء نصحوني بان أقوم بمكافحة المنزل، كما فعلوا هم، ببعض المبيدات والمواد الكيميائية التي تبعد الروائح وتقي مخاطر التلوث والأمراض، وعلى ما يبدو أنني حاولت عبثا فرائحة الموت مازالت طاغية، وكأنني انبش قبرا أو أمر بجثة متعفنة أو كأنني كما جئت أول مرة إلى بيتي ، على الرغم من تأكيدات العائلة والمقربين أننا نجحنا في إزالتها".

 

قد لا يبالغ السكان المحليون عندما يتحدثون عن عائلات بأكملها مازالت تحت ركام الأبنية المدمرة، لاسيما وان عدد من المنازل والأبنية لم يتم الكشف عنها، قد تحتوي في داخلها على عدد كبير من الجثث.

 

أم احمد، أرملة في العقد الخامس من عمرها، والتي تسكن في حي الجولان احد أحياء الفلوجة القديمة، تحدثت لــ"نقاش" "بعدما سمحت لنا القوات الامنية بالعودة الى منازلنا، أخذت أتجول حول بيتي والبيوت الأخرى التي دمرت غالبيتها، وما رافق ذلك الدمار رائحة كريهة اعلم أنها رائحة موتى، إلا أنني لا أقوى على الاقتراب من مصدرها الذي أصبح واضحا للعيان، بعد رؤية الحيوانات والحشرات بشكل كثيف حولها".

 

تشير أم احمد إلى احد المنازل القريبة من مسكنها، والذي دمر كليا "في هذا المكان عائلة كاملة قتلت وتناثرت أشلاؤها تحت ركام المنزل، المشاهد التي رأيتها عند انتشالهم تشير الى أن تلك الرفات لأطفال ونساء لم يتمكنوا من النجاة، ربما هربوا من موت، إلى موت آخر".

 

وتضيف أيضا "مازالت تراودني بعض الأحلام والكوابيس وأنا أتذكر الأعضاء البشرية والعظام التي رفعت مع الأنقاض، واسمع أصواتهم وأتخيلهم كيف صعقوا ودفنوا تحت هذا الركام".

 

انتشار تلك الروائح بشكل كبير والشكاوى المتعددة من قبل السكان المحليين، ساهم في مضاعفة جهود الفرق الطبية والقوات الأمنية، التي نجحت في انتشال عشرات الجثث غير أن تلك الجهود تبقى محدودة أمام حجم الدمار الذي يشير إلى وجود مئات الجثث، حسب المصادر الأمنية.

 

ضابط برتبة (رائد) احد منتسبين أفواج طوارئ الأنبار رفض الكشف عن اسمه، تحدث لـ"نقاش" قائلا "تمكنت فرقنا من العثور على عشرات الجثث المتفسخة منذ دخولنا الى المدينة، بعد انتهاء العمليات العسكرية، ومعظمها تم رفعها من الميادين العامة والطرقات أثناء تفتيش المنازل، قبل الشروع بعملية إدخال العائلات الى المدينة".

 

ويضيف أيضاً أن "مئات الجثث مازالت تحت الأنقاض غربي مدينة  الفلوجة، في حي الأندلس، والجولان، ومنطقة السوق القديم، التي تتميز بأزقتها الضيقة، فضلا عن الحي الصناعي شرقي المدينة وحسب معلوماتنا هناك عدد كبير من الجثث، مازالت تحت البنايات التي كانت معظمها مقرات تابعة الى جماعات داعش".

 

جثث متفسخة في الغالب كانت عبارة عن أشلاء متناثرة تحت الركام، يتم التعرف على وجودها من خلال الروائح الكريهة التي تجذب الحيوانات والحشرات، قبل أن تصبح هياكل عظمية مضى على تفسخها أكثر من ثلاثة أشهر، يتم جمعها للتعرف على جنسها وعمرها التقريبي من خلال الملابس التي علقت بها، وبعض الوثائق والمستمسكات الرسمية.

 

دكتور كمال رجا حداد، أخصائي الطب الباطني في مستشفى الفلوجة العام، يشير الى أن "مراحل التفسخ للجثث البشرية، لا تختلف كثيرا إن كانت داخل القبر أو خارجه، فهي تمر بثلاث مراحل مرحلة التحلل الذاتي، في الساعات الأولى للوفاة، ومرحلة الانتفاخ والتفسخ التي تستمر من أسبوعين الى ثلاثة أسابيع، وفي هذه المرحلة تكون الجثة قد اختفت تماما ولم يتبق منها إلا الهيكل العظمي، الذي يمثل تحلله بعد سنتين أو ثلاث المرحلة الأخيرة في مراحل تحلل الجثث البشرية".

 

ويضيف أيضا "الأسابيع الأولى لتفسخ تلك الجثث هي الفترة الأكثر خطورة، والتي يمكن لها أن تهدد المدينة بأوبئة وأمراض خطيرة تصيب الجهاز الهضمي، اما اليوم و بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر، لم تعد تشكل خطر وبائيا كبيرا، إلا أنها تبقى صورة غير مقبولة إنسانيا ودينيا".

 

مجلس محافظة الأنبار، يشير الى وجود عدد كبير من الجثث المتفسخة جراء العمليات العسكرية، وان عملية رفعها والتعامل معها بحاجة الى قوانين قضائية وجهود بيئية، تسهم في تصنيفها وتفادي مخاطرها.

 

طه عبد الغني، عضو مجلس محافظة الانبار، قال لـ"نقاش" إن "مجلس محافظة الانبار يدعم الجهود البيئية والقضائية، التي يجب عليها توفير إحصائية دقيقة حول أعداد تلك الجثث، والعمل على تشخيصها وتصنيفها ومن ثم دفنها، أما الإجراءات المتخذة من قبل المحافظة و أجهزتها، هي إجراءات أولية تتمثل بدفن تلك الجثث، لتفادي مسؤوليتها، ومخاطرها الوبائية".

 

وأضاف أيضاً "من خلال مشاركتنا ببعض الجهود الذاتية، أثناء اطلاعنا على عمليات تحرير المدن في محافظة الانبار، كنا نشاهد عشرات الجثث متفسخة في مكان واحد فهناك عدد من المنازل كان يحتوي بعضها على أكثر من (35) جثة".