مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

مدينة بلا اسوار:
لماذا لا يتحقق الامن في بغداد؟

مصطفى حبيب
على رغم آلاف الجنود ومئات الخطط العسكرية تعيش بغداد منذ سنوات بلا امن مستمر، ومن سوء حظ هذه المدينة وسكانها أن جغرافيتها لا تساعدهم على العيش بسلام، وتعيش بلا أسوار، وتنتظر بخوف دائم هجمات المسلحين.
28.04.2016  |  بغداد
دورية من الجيش في جنوب بغداد (الصورة: وزارة الدفاع العراقية)
دورية من الجيش في جنوب بغداد (الصورة: وزارة الدفاع العراقية)

 منذ بداية هذا الشهر، يشن تنظيم "داعش" هجمات منسّقة ضد قوات الجيش العراقي وعناصر "الحشد الشعبي" المكلفة بحماية ضواحي بغداد، وأدت إلى مقتل وإصابة العشرات منهم، وحذر مسؤولون عراقيون وقادة أمنيون من انهيار الوضع الأمني في هذه المناطق.

 

في منطقة "اليوسفية" جنوب بغداد يقاوم الشيخ عثمان الجنابي مع عائلته المكونة من تسعة أفراد وإخوانه وأقربائه قساوة الأوضاع الأمنية في منطقته منذ سنوات، فهذه المدينة التي اصبحت عنوانا بارزا في وسائل الإعلام ليس لاحتضانها مهرجانا شعبيا، أو احتوائها على موقعا اثريا، بل لأنها ساحة حرب متواصلة لا تنعم بالسلام إلا في أوقات مستقطعة.

 

يقول الجنابي لـ"نقاش" عن القضية "في آخر عشر سنوات من حياتي خسرت ولدين وزوجتي ومزرعتي بسبب أعمال العنف، قتل احد أولادي في اشتباكات مسلحة جرت في المنطقة، أما الآخر قتل بانفجار عبوة ناسفة كانت مزروعة في احد الطرق وماتت زوجتي حزنا عليهم، ولم اعد استطع الزراعة في بستاني، ولكني ارفض مغادرة منزلي الذي بنيته بيدي، ولن اهجر منطقتي التي ترعرعت فيها منذ الصغر".

 

تقع "اليوسفية" في ضواحي بغداد الجنوبية مثل مناطق "اللطيفية" "المدائن" و"عرب جبور" جنوبي بغداد، و"ابو غريب" غربيها، و"المشاهدة" و"الطارمية" و"التاجي" شمالا، وتمثل جميعها ما يسمى بـ"حزام بغداد" الذي يحيط بها من كل جانب.

 

وهذه المناطق كانت وما زالت تعيش ظروفاً أمنية سيئة منذ سنوات، لكونها ملاذا آمنا للجماعات المسلحة المتشددة، في السابق تنظيم "القاعدة" وحلفاؤه من الفصائل السنية العراقية، واليوم تنظيم "داعش".

 

في الجانب الآخر من بغداد عند منطقة "الطارمية" شمال بغداد، يعيش الأستاذ الجامعي كريم المشهداني منذ عشرين عاما، ويعاني المأساة نفسها التي يعيشها عثمان الجنابي في "اليوسفية"، فمنطقته غير مستقرة وتخضع لعمليات عسكرية متواصلة منذ سنوات فشلت جميعها في فرض الامن.

 

يقول المشهداني لـ "نقاش" إن "القوات الأمنية لا تثق بالسكان وتعتبرهم إرهابيين لان هناك مسلحين يختبئون في المزارع الشاسعة في المنطقة ويهاجمون القوات الأمنية بشكل متواصل، ولكن السكان يدفعون الثمن".

 

الأسبوع الماضي حصلت سلسلة تفجيرات انتحارية في منطقتي "عرب جبور" و"الرضوانية" جنوب بغداد استهدفت مساجد للشيعة أدت الى مقتل وإصابة العشرات، كما حصلت تفجيرات أخرى في منطقة "الطارمية" شمالي بغداد.

 

زعيم فصيل "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي قال في 7 نيسان (ابريل) الحالي ان "الوضع الأمني شهد في الآونة الأخيرة بعض العمليات التي قام بها داعش في محافظات جنوب العراق ومحيط العاصمة بغداد".

 

وأضاف خلال كلمة تلفزيونية بعد أيام على مقتل عدد من فصائل "الحشد الشعبي" في أطراف العاصمة ان "حماية ضواحي بغداد أكثر أهمية من تحرير مدينة الموصل التي تبعد آلاف الكيلومترات عن العاصمة.. الآن داعش يستخدم الضواحي معسكرا لمئات المقاتلين مع عدد كثير من الانتحاريين والسيارات المفخخة".

 

النائب عن كتلة "بدر" حسن الساعدي يقول لـ "نقاش" إن "داعش بدأ بالعودة الى ضواحي بغداد بعد تعرضه لهزائم في الأنبار وصلاح الدين.. والآن يريد تهديد بغداد وإجبار القوات الأمنية والحشد الشعبي على الانسحاب نحو بغداد وترك الجبهات البعيدة".

 

مدينة بلا أسوار

تعتبر بغداد المدينة الوحيدة في العراق بدون حدود واضحة أو أسوار أمنية محصنة، ومن سوء حظ المدينة ان حدودها الجغرافية ذات طابع زراعي ترتبط بشكل مباشر مع أربع محافظات هي الأنبار وبابل وصلاح الدين وديالى، ويستخدم المسلحون المساحات الشاسعة من المزارع أماكن للاختباء والتخطيط لشن هجمات على مركز العاصمة.

 

ومن مناطق "سبع البور" و"إبراهيم بن علي" و"الصبيحات" في مدينة الفلوجة التابعة إلى الانبار توجد طرق زراعية خفية مرتبطة مع مناطق "التاجي" و"ابو غريب" و"اليوسفية" في بغداد.

 

ومن منطقة "جرف الصخر" في محافظة بابل، توجد طرق أيضا مرتبطة مع مناطق "اللطيفية" و"المدائن" و"المحمودية" في بغداد، ومن مناطق "النباعي" و"المشاهدة" و"الكسارات" في صلاح الدين توجد طرق زراعية خفية ترتبط بمنطقة "الطارمية" شمالي بغداد.

 

المشكلة ان القوات العسكرية تواجه صعوبة في تأمين المناطق الزراعية في ضواحي بغداد، كما يقول العقيد خضير الخزرجي الذي تعمل وحدته العسكرية عند أطراف بغداد الشمالية.

 

الخزرجي قال لـ "نقاش" "منذ اربع سنوات وانا اعمل في ضواحي بغداد، خسرت فيها العديد من جنودي الذين قتلوا بعبوات ناسفة او اغتيالات مباشرة.. المشكلة ان العجلات العسكرية لا تستطيع الدخول الى المناطق الزراعية".

 

ويضيف الخزرجي "هناك غابات من البساتين في ضواحي بغداد، ويستطيع المسلحون الاختباء لشهور دون أن يعرف احد بهم ومن هذه المناطق يخططون لشن الهجمات على بغداد".

 

المشكلة الأخرى التي يعاني منها الخزرجي هي الطبيعة الديموغرافية للسكان، ومن المفارقات الغريبة ان الغالبية العظمى من سكان ضواحي بغداد هم من الطائفة السنية، ولهذا يجد المسلحون تعاطفا في هذه المناطق".

 

ولم تكن مصادفة أن يكون غالبية سكان ضواحي بغداد من الطائفة السنية، فالمسألة بدأت منذ سبعينات القرن الماضي عندما نفذ نظام حزب البعث تغييراً ديموغرافياً في هذه المناطق عندما جاء بآلاف السكان السنة وأسكنهم في هذه المناطق بعد أن كانت منذ عشرات السنين مناطق مختلطة من العشائر السنية والشيعية.

 

عباس التميمي الذي يسكن في احد المجمعات السكنية الحكومية في منطقة المحمودية جنوب بغداد يقول لـ"نقاش" ان "الإرهابيين يتحصنون في المناطق السنية للأسف.. نحن لا نتهم جميع السكان السنة بمساعدة الإرهابيين ولكن البعض منهم يتعاون معهم".

 

ويضيف التميمي ان "الإرهابيين غرباء لا يعرفون المناطق جيدا ولكنهم يحصلون على التعاون من بعض السكان المحليين في معرفة هذه الأمور وينفذون هجمات مسلحة بدقة".

 

وليست القوات الأمنية العراقية لوحدها تواجه صعوبة في فرض الأمن في ضواحي بغداد، بل حتى القوات الأميركية التي كانت موجودة في البلاد قبل سنوات واجهت الصعوبة نفسها.

 

ملفات المخابرات العراقية تشير إلى ان القوات الأميركية نفذت نحو خمس عمليات عسكرية كبيرة لفرض الأمن في هذه المناطق أبرزها عملية "شبح الرعد" عام 2007، ولكنها لم تنجح هي الأخرى في فرض الأمن كما يقول ضابط في جهاز المخابرات العراقية لـ"نقاش" طلب عدم الإفصاح عن اسمه.

 

ويقول الضابط أيضاً ان "الملفات الأمنية الاستخباراتية المتعلقة بضواحي بغداد مثيرة جدا، وتشير الى ان القوات الأمنية اعتقلت المئات من قادة التنظيمات المسلحة المتشددة في هذه المنطقة أبرزهم زعيم تنظيم "أنصار السنة" سابقا، وثلاثة قادة بارزين في تنظيم "القاعدة".

 

وهناك العشرات من الوثائق المهمة التي عثر عليها خلال المداهمات في هذه المناطق تتضمن خطط هذه التنظيمات وأسماء عناصرها والشفرات التي يتبادلونها وأهدافهم المستقبلية، كما يقول هذا الضابط.

 

وبعد الهجوم الواسع الذي شنه "داعش" صيف 2014 على العراق واستطاع خلاله السيطرة على محافظتي الموصل وصلاح الدين والانبار ووصل الى ضواحي بغداد، كلّفت الحكومة العراقية آنذاك الفصائل الشيعية في حماية هذه المناطق، ونجحت في منع "داعش" من احتلال هذه المناطق، ولكن برزت مشكلات أخرى.

 

المشكلة ذاتها يعاني منها العراق منذ سنوات، فالقوات الامنية والفصائل الشيعية عندما تدخل مناطق سنية تحصل مشكلات طائفية، لا تثق هذه القوات بالسكان وتعتبرهم إرهابيين، اما السكان فيخافون من هذه القوات ويعتبرونها طائفية.

 

خلال السنتين الماضيتين، نجحت الفصائل الشيعية في فرض الأمن في هذه المناطق بالقوة وحصلت عمليات قتل غير إنسانية ضد السكان من قبل أفراد من هذه الفصائل، وبعد انسحاب بعض وحدات الفصائل الشيعية من هذه المناطق الشهر الماضي بسبب قطع رواتبهم ظهر "داعش" مجددا.

 

القوات الامنية غالبا ما تفرض الامن بالقوة، ولهذا فان الاستقرار الذي تحققه يكون مؤقتا ومعرضا للانهيار في أي لحظة، وهي معضلة لم تستطع الحكومة العراقية حلها، لان أفراد القوات الامنية المحلية في هذه المناطق لا يثق احد بهم وبعضهم تعاون في السابق مع المسلحين.

 

أما السكان المحليون فلهم معاناتهم الخاصة، فهم يخشون من دخول المسلحين المتشددين إلى مناطقهم وتهديدهم بالقتل إذا تعاونوا مع القوات الأمنية، اما القوات الأمنية لا تثق بالسكان وتعتبرهم متعاونين مع الإرهابيين.

 

سور بغداد

بعد عشر سنوات من العمليات والخطط العسكرية تحولت ضواحي بغداد إلى ثكنة عسكرية تعج بآلاف الجنود، بعد ان كانت في السابق مناطق زراعية يطلق عليها السكان "البقرة الحلوب" لأنها كانت توفر الخضراوات والفواكه ومنتجات الحليب والألبان والدواجن.

 

وكان البغداديون سابقا يهربون من صخب مدينتهم وضوضائها إلى الضواحي لقضاء بعض الوقت وسط المزارع والبساتين والأجواء النقية، ويكون في استقبالهم سكانها الريفيون، أما اليوم فيتجنب البغداديون الذهاب إلى هذه المناطق بسبب خطورتها.

 

الدخول الى هذه المناطق ليس سهلا، بسبب الإجراءات الأمنية الصارمة، وتنتشر العشرات من نقاط التفتيش التي لا تبعد إحداها عن الأخرى سوى مسافة 500 متر، وعلى رغم ذلك ما زالت غير امنة، ولهذا تفكر الحكومة العراقية في بناء سور امني لحماية العاصمة بعد فشل خططها السابقة.

 

في شباط (فبراير) الماضي قررت الحكومة العراقية بناء سور امني حول ضواحي بغداد يتضمن وضع حائط من الحواجز الكونكريتية يعلو 3 أمتار وبجانبه خندق بعمق ثلاث أمتار ايضا، في محاولة جديدة لتأمين بغداد، ولكن الفكرة لم تنفذ.

 

المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن يقول لـ "نقاش" ان "هناك قوات امنية كافية تنتشر في ضواحي بغداد، ولا يوجد خوف من اختراقها من قبل داعش، ولكن تحصل في بعض الأحيان بعض الخروقات ولكنها تحت السيطرة".

 

ويضيف ان "بناء سور امني في هذه الضواحي سيقلص عدد القوات الأمنية الموجودة هناك ويمكن الاستفادة من هؤلاء الجنود في المعارك ضد داعش.. السور الأمني سيتم تزويده بكاميرات مراقبة سيغلق الطريق أمام الإرهابيين في استخدام طرق خفية لنقل المتفجرات الى مركز العاصمة".

 

فكرة بناء سور امني ليست جديدة بل ان القوات الأميركية في عام 2006 اقترحت مثل هذه الفكرة لحماية بغداد بعد أن قتل العشرات من جنودها في هذه المناطق، ولكن أحزابا سياسية سنية تخوفت من الفكرة ورفضتها واعتبرت ان السور الأمني سيخلق الطائفية ويقتطع أراضي من محافظتي الأنبار وبابل ويضمها إلى بغداد.

 

والآن أيضاً رفضت هذه الأحزاب بناء السور الأمني، ولهذا لم تطبق الفكرة التي كانت تتضمن رفع الأسوار الكونكريتية التي تفصل بين المناطق السنية والشيعية داخل العاصمة ونقلها الى الضواحي.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.