مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

مدن بانتظار التحرير:
الحرب ضد داعش بلا دعم السكان المحليين.. صعبة وطويلة

مصطفى حبيب
بعد نحو عامين على الحرب ما زال تنظيم داعش قوياً في العراق، وتخوض القوات الأمنية العراقية و"التحالف الدولي" الحرب دون قوات محليّة قوية، ولهذا باتت الحرب طويلة، والانتصارات ضد "داعش" لا تخلو من المشكلات.
14.04.2016  |  بغداد
الانبار  (الصورة: احمد الربيعي )
الانبار (الصورة: احمد الربيعي )

نجحت قوات الجيش العراقي بمساعدة "التحالف الدولي" في تحرير مدينتي الرمادي وهيت في الأنبار بعد معارك شرسة ضد "داعش"، ولكن هناك المزيد من المدن التي تنتظر التحرير، بينما تعاني المدن المحررة من مشاكل أمنية واجتماعية لا تقل خطورة عن مشكلة "داعش".

 

وعلى ما يبدو أن استعدادات الحرب ضد "داعش" لم تكن كاملة، فالقوات العسكرية والدبابات والطائرات الحربية ليست كافية، وكان لغياب القوات المحلية من العشائر والفصائل المسلحة تأثير سلبي على الحرب، فمن المسؤول عن ذلك؟.

 

وبالمقارنة في القتال الذي خاضه العراق والولايات المتحدة ضد تنظيم "القاعدة" قبل سنوات، وتنظيم "داعش" حاليا، فان الحرب ضد "داعش" أخذت وقتا طويلا، بينما كان تحقيق الانتصار ضد "القاعدة" أسهل وأسرع بكثير.

 

سلمان المحلاوي احد شيوخ العشائر في مدينة القائم غرب الأنبار على الحدود مع سورية ويبلغ عدد أفراد عشيرته آلافا، يواجه اليوم اتهامات من قبل عشائر أخرى بمبايعة "داعش"، وقبل سنوات قليلة كان المحلاوي ابرز قادة قوات الصحوة العشائرية التي حاربت تنظيم "القاعدة" وتمكنت من هزيمته.

 

المحلاوي وعدد كبير من قادة العشائر يعدون أنفسهم مظلومين، ويحذرون من عمليات انتقامية قد تشنها باقي العشائر والحكومة ضدهم، فقط لأن "داعش" سيطر على مناطقهم بسهولة ودون قتال.

 

المحلاوي الموجود في بغداد في زيارة سرية لتوضيح معاناة أبناء عشيرته مع مسؤولين في الحكومة، يقول لـ"نقاش": "لقد كنت احد ابرز قادة الصحوة التي حاربت تنظيم القاعدة وقتل العديد من أبناء عشيرتي بسبب ذلك، وتمكنا قبل سنوات من إعادة الأمن لمدينة القائم في الأنبار".

 

ويضيف "لسنا مسؤولين عن سقوط مدينتنا بيد داعش، والحكومة تعلم ذلك جيدا.. كنت جالسا في منزلي وجاءني خبر أن الجيش العراقي انسحب من المدينة ودخل داعش إليها، اتصلت بالضابط المسؤول الذي تجمعني معه علاقة طيبة وقال لي إن أمر الانسحاب جاء من بغداد، والجميع يعلم بان العشائر لن تستطيع مقاتلة داعش لوحدها".

 

بعد ساعات من سيطرة "داعش" على المدينة اعتقل المسلحون المتطرفون المحلاوي وعدداً من شيوخ العشائر في مبنى وسط المدينة وقالوا لهم يجب أن تبايعونا وإلا قتلنا جميع أفراد عشائركم، واضطروا في النهاية للتعهد بعدم محاربة "داعش" لحماية أفراد عشيرتهم من مجزرة قد تحصل، كما يقول المحلاوي، وفي احدى ليالي تشرين الأول (اكتوبر) عام 2014 تمكن المحلاوي من الهروب إلى الأردن.

 

أثناء وجوده في الأردن، تلقى المحلاوي اتصالا من أصدقائه القدامى من المسؤولين العسكريين الأميركيين، وقال لهم انه مستعد لمحاربة داعش ويحتاج إلى الدعم والسلاح فقط، وتم الاتفاق على تشكيل قوات محلية من عشيرته، ولكن بعد شهور تخلى الأميركيون عنه.

 

حتى الحكومة العراقية اجرت مفاوضات سرية مع المحلاوي والعديد من زعماء العشائر لمناقشة محاربة "داعش"، "ولكن الحكومة لم تكن جادة كالعادة" كما يقول المحلاوي.

 

يرى المحلاوى أن الحكومة العراقية والولايات المتحدة اختارت الطريق الصعب وليس السهل في محاربة "داعش"، بدون الدعم المحلي في هذه الحرب فإنها تكلف وقتا طويلا وتخلق دمارا كبيرا لان الحرب أصبحت معركة تقليدية بين جيشين، "بينما نحن في السابق حاربنا تنظيم القاعدة بواسطة حرب شوارع وانتصرنا عليهم لان لدينا خبرة بجغرافية مناطقنا".

 

خلافات قبلية

تعاني الأنبار اليوم من انقسامات عشائرية بين فريقين، وهذه الخلافات أوجدتها حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على خلفية استبدال قادة الصحوات بقادة جدد موالين للحكومة ولكنهم لا يمتلكون نفوذا وشعبية في الأنبار.

 

الفريق الأول يضم العشائر التي تقاتل "داعش" في مدن حديثة والرمادي والبغدادي وهم من عشائر "البو نمر" و"البو فهد" و"البو ريشة" و"البو علوان" و"البو عبيد" و"البو محل"، اما الفريق الآخر يضم أيضاً شيوخ عشائر من هذه القبائل نفسها، ولكن سيطرة "داعش" على مدن الفريق الثاني جعلهم متهمين بالتعاون مع المتطرفين.

 

عشائر الأنبار لم تختر بنفسها الوقوف الى جانب الحكومة او ضدها، بل كانت تحركات الجيش في المحافظة عاملا أساسيا في ذلك، ومثلا انسحب الجيش من مدن عانة وراوة والقائم وهيت في اب (اغسطس) 2014 دون قتال لأنها وفق تقييم الحكومة مدن غير مهمة.

 

بينما بقي الجيش في "حديثة" و"البغدادي" و"الرمادي" لأنها تحتوي على مشاريع خدمية اتحادية مثل السدود ومحطات الطاقة ومعسكرات مهمة، ولهذا فان العشائر في هذه المناطق وقفوا إلى جانب الجيش، لكن العشائر في بقية المدن فضلت التزام الحياد لأنها عمليا ليست قادرة على محاربة "داعش" وحدها.

 

احمد الكبيسي احد شيوخ عشائر الأنبار ويعيش في أربيل منذ شهور، يقول في اتصال هاتفي لـ"نقاش" إن "القوات الأمنية وطيران التحالف الدولي احتاجت إلى شهور عديدة لتحرير الرمادي وهيت وكبيسة، ولكننا قبل سنوات تمكنا من تنظيف هذه المدن من تنظيم القاعدة خلال أيام قليلة ودون دمار كبير".

 

الكبيسي يقول أيضاً "لو قامت الحكومة العراقية والولايات المتحدة بدعم العشائر منذ البداية ووفرت لهم أسلحة ورواتب، لكان تحرير المدن أسرع وأسهل لان أبناء العشائر يعرفون جيدا مناطقهم ويمكن الاستفادة منهم في المعلومات الاستخباراتية عن عناصر داعش".

 

كانت قوات الصحوة تقوم بثلاث وظائف مفيدة في وقت واحد، تحارب المسلحين المتطرفين، وتقوم بمهمات استخباراتية وجمع المعلومات عنهم في كل منطقة وإيصالها إلى القوات الأمنية، وأخيرا تقوم بفرض الأمن داخل المناطق المحررة دون الحاجة الى قوات جيش.

 

ولكن الحكومة العراقية فشلت في تكرار هذه التجربة الفريدة، ولهذا لا يمتلك الجيش العراقي حاليا معلومات استخباراتية كافية، كما يقول الكبيسي.

 

ولم تنجح الحكومة العراقية والولايات المتحدة أيضاً في إقناع الفصائل المسلحة السنية العراقية المعتدلة بالوقوف إلى جانبهما في الحرب ضد "داعش"، وفشلت مفاوضات جرت في أربيل والاردن وتركيا ودول خليجية في تحقيق ذلك.

 

وهنالك خمسة فصائل مسلّحة سنية أبرزها "المجلس العسكري للثوار" هو تحالف يضم العشرات من العشائر السنية، "الجيش الإسلامي"، "جيش المجاهدين"، "كتائب ثورة العشرين"، و"جيش الراشدين".

 

هذه الفصائل دعمت مشروع الصحوة وتطوع العشرات من عناصرها في هذه القوات، وبعد اعلان الحكومة العراقية تشكيل قوات جديدة باسم "الحرس الوطني"، دعمت هذه الفصائل ذلك ايضا، ولكن الحكومة لم تنفذ المشروع حتى الآن.

 

العنف المفرط

من الأسباب الأخرى التي حالت دون وجود قوات محلية لمساعدة الجيش العراقي، هي الإجراءات الصارمة التي اتخذها "داعش" لمنع حصول تحالف بين العشائر والفصائل السنية والحكومة، عبر استخدام العنف المفرط ضد السكان.

 

الأسبوع الماضي نشر تنظيم "داعش" مقطع فيديو وصورا لإعدام خمسة أشخاص في الأنبار بتهمة التجسس لصالح الحكومة العراقية بينهم فتى لا يتجاوز عمره (15 عاما).

 

قام عناصر من "داعش" بتعليق هؤلاء من أرجلهم على شجرة وأيديهم مقيدة إلى الخلف في إحدى المزارع في الأنبار، وأطلقوا الرصاص بكثافة على رؤوسهم، وكتب التنظيم تعليقا على الصور "هذا مصير الجواسيس".

 

يعلم التنظيم المتشدد جيدا الخطر الذي يشكله السكان المحليون من العشائر والفصائل المسلحة ضده، ويسعى لتجنب مصير تنظيم "القاعدة" قبل سنوات، ولهذا استخدم منذ البداية عمليات قتل واسعة لإخافة السكان من العمل مع الحكومة.

 

ويقول فالح العيساوي نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار لـ "نقاش" ان "داعش لا يثق بالسكان في المدن التي يسيطر عليها لأنه يعلم جيدا بان السكان غير راضين عن أحوالهم ويتمنون الخلاص من داعش بأي طريقة".

 

العيساوي يقول أيضاً ان "داعش قام بمجازر بحق المئات من سكان الانبار وبينهم شيوخ عشائر، ونفذ عمليات قتل بشعة وتمثيل بالجثث لزرع الخوف بين السكان الذين يريدون إيصال معلومات عن اماكن داعش الى الحكومة حتى تكون الغارات الجوية دقيقة".

 

كما ان الفصائل المسلحة السنية المعتدلة التي رفضت مبايعة "داعش" في الأنبار منذ البداية، دفعت ثمنا باهظا بسبب ذلك، وحدثت معارك ضارية بين الطرفين في الفلوجة وهيت انتصر فيها "داعش" بسبب قوته العسكرية، وقام بعدها بسحب السلاح من الفصائل السنية وهرب عناصرها إلى خارج الأنبار.

 

حماية المدن المحررة

غياب قوات محلية كافية وقوية اثر سلبا على اداء قوات الجيش العراقي، لان المدن المحررة تحتاج الى تواجد قوات فيها لحمايتها من حصول فوضى ومنع عودة "داعش" اليها، وبسبب عدم وجود هذا النوع من القوات المحلية فان الجيش يقوم بهذه المهمة.

 

وجود الجيش داخل المدن أبطأ من وتيرة المعارك ضد "داعش" ، وبدلا من انشغال الجيش بمطاردة داعش في باقي المدن التي يسيطر عليها، أصبح عليه الآن القيام بمهام شرطية، وهذا من الاسباب التي تؤخر تحرير باقي المدن في الأنبار، بينما تعمل الحكومة ببطء لتطويع أبناء العشائر في القيام بمهام الشرطة لأنها لا تثق بالسكان المحليين حتى الآن.

 

احمد العيفان وهو قائد ميداني لمجموعة صغيرة من مقاتلي العشائر في الرمادي والمدعومة من قبل الحكومة، يقول لـ "نقاش"، "إننا بحاجة الى المزيد من المتطوعين، وعلى الحكومة فتح باب التطوع لابناء العشائر وهناك آلاف من الرجال الذين يرغبون بالمشاركة في طرد داعش من مدينتهم".

 

خلال عامي 2006 -2007 بلغ عدد قوات الصحوة في الأنبار نحو (30) ألف مقاتل من ابناء العشائر بقيادة الزعيم الشاب عبد الستار ابو ريشة ويمتلكون أسلحة جيدة ورواتب من الحكومة، اما اليوم لا يتجاوز عدد مقاتلي العشائر 5 آلاف بلا أسلحة جديدة وبرواتب قليلة، كما يقول العيفان.

 

مدينة الرمادي التي تحررت قبل شهرين ما زالت تعاني من مشاكل كبيرة، حجم الدمار للمنازل والمنشآت الحكومية والخدمية وصل إلى (80) في المئة، بسبب المعارك الشرسة التي حصلت طيلة شهور قبل تحريرها، وهذا الأمر لم يحصل قبل سنوات عندما طردت العشائر تنظيم "القاعدة" من مدينتهم.

 

 

*ملاحظة: اسم "سلمان المحلاوي" الزعيم القبلي الذي ورد في الموضوع هو اسم غير حقيقي، تم استخدامه لأسباب أمنية بطلب منه.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.