مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

السكان مهدّدون بالموت:
فقط في الفلوجة.. أثاث المنازل حطبٌ للمواقد

كمال العياش
الوضع الإنساني للعائلات التي مازالت تحت سيطرة داعش داخل مدينة الفلوجة (60 كلم) غرب العاصمة العراقية بغداد وحصار القوات الأمنية ينذر بكارثة حقيقية تهدد حياة الكثيرين بالموت.
31.03.2016  |  الانبار
نازحة من الموصل تسكن في الشارع مع ابتها في مدينة كركوك (الصورة: Hawre Khalid)
نازحة من الموصل تسكن في الشارع مع ابتها في مدينة كركوك (الصورة: Hawre Khalid)

 في باحة المنزل أسّست أم أحمد موقدها التقليدي الذي لم تتخيّله سابقاً مجبرةً على ترك ترف العيش الذي اعتادت عليه منذ نشأتها بسبب الحصار على مدينة الفلوجة منذ أكثر من عامين.

 

إعداد الطعام بالنسبة للمرأة الخمسينية ليس بالمهمة السهلة فهيأتها الخارجية عند إشعال الموقد والبدء بإعداد الطعام يشبه إلى حد كبير هيئة عمال مناجم الفحم.

 

الطناجر التي تستخدمها في الطبخ لا تختلف كثيرا عن الصفيحة المعدنية المستخدمة في الموقد وحالها ليس أفضل من قدورها فقد تركت نار الموقد آثارها عليهم وهي تتقاسم معاناتها مع أطفالها الذين يجلسون إلى جانبها بانتظار وجبة طعام بائسة.

 

أم احمد أرملة في أواسط عقدها الخامس تسعى جاهدة هي وأبناؤها الخمسة لتجتاز أياماً اقل ما يقال عنها عصيبة، لا تجهد نفسها في سداد الديون التي غرقت بها ولا تسعى الى تعويض المواد المنزلية التي ضحت بها من اجل توفير ما يسد رمق عيالها.

 

ومنذ أشهر تجعّد وجهها وانحنى ظهرها وهي تجوب الشوارع، لا تبحث فيها عن طعام يشترى وإنما تبحث في كل يوم عن اشياء تشعل بها موقدها تحت طنجرة الوجبة اليومية التي تتمثل بنبات الخباز وهونبات طبيعي غالبا ما تنمو في المراعي وعلى جوانب الطرقات لكنه بات الطبق الرئيسي لمعظم الموائد الفلوجية.

 

تقول أم احمد "اعتدنا أنا وأطفالي على بعض المأكولات المتوفرة وهي غالبا ما تكون من النباتات الطبيعية وبعض الخضراوات التي نستطيع شراءها، إلا أن انعدام المحروقات وغاز الطبخ مشكلة أخرى لا تقل  اهمية عن مشكلة انعدام المواد الغذائية, حيث بدأ طبخنا يأكل أثاثنا.

 

تصمت ثم تكمل "منذ شهرين تقريبا لم اترك خشبة واحدة في بيتي لم استخدمها لموقد الطبخ، غرف النوم والأبواب الخشبية داخل البيت وحتى إطارات الصور والكتب، كل شيء قابل للاشتعال أصبح وقودا للطبخ والتدفئة".

 

وتضيف "أقوم برحلة يومية بحثاً عن أغصان الأشجار أو أخشاب تكفي أن تكون حطباً ليوم او يومين إلا ان العملية هذه بدأت تصعب ولا انجح في كل مرة لان الأخشاب والأشجار أصبحت هدفا للجميع فهي باتت البديل الوحيد لغاز الطبخ والجميع يسعى ويبحث للحصول على قطع خشبية بعدما نفد ما كان موجودا في المنازل من أثاث خشبي".

 

  الاقتصاد في استخدام الحطب اجبر الأهالي على إشعال الموقد لمرة واحدة في اليوم غالبا ما يكون عند الظهيرة وبذلك تكون الأحياء التي مازالت تعج بسكانها تحت سحب الدخان المتصاعدة لتكون فرصة الحصول على هواء نقي وخالٍ من السموم المنبعثة من عملية احتراق الأخشاب ضئيلة.

 

علي الجنابي احد ساكني حي الجولان شمال الفلوجة الذي يتميز بأزقته الضيقة يشير إلى ان الوقت المناسب والمثالي لإشعال الموقد وإعداد الطعام هو بعد أذان الظهر في منتصف النهار، ويضيف "لايمكن لنا ان نشعل المواقد ليلا لأننا نخشى أن تكون النار دليلا للطيران ومن ثم القصف وبسبب قلة الحطب أيضاً نقوم بالاقتصاد بما يتوفر لدينا او ما نستطيع الحصول عليه من خشب ".

 

يستذكر الجنابي قائلا "أرادت زوجتي في وقت سابق أن نستبدل غرفة نومنا بأخرى جديدة وحديثة، إلا أنني كنت ارفض وبشدة لأنها كانت هدية زواجي من أخي الأصغر الذي قتل في الأحداث الطائفية في بغداد عام 2007، وهي تمثل ذكرى عزيزة على قلبي".

 

يبتسم الرجل بسخرية قبل ان يكمل "لم يتبق منها أي شيء، كل يوم احرق منها خشبة واحترق معها مرارا، كل شيء ممكن أن يُعوض إلا الذكريات العزيزة، لم أتوقع يوما أن أكون عاجزا مثل هذه الأيام، لو كان الحطب متوفرا واستطيع شراءه لما فعلت".

 

عماد عبد المجيد (44 عاما) يستغني عن قالبه الخشبي الذي كان يستخدمه في صب السقوف الكونكريتية للمنازل وكان مصدر رزقه الوحيد، يشير الى أن "الأعمال أصبحت بلا قيمة ولا توفر ابسط مستلزمات العيش بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية لذلك بدأت استغني عن مورد رزقي ولست بحاجة إلى أدواته التي تركت بصمة لعشرات المنازل في المدينة، هذا القالب الذي كنت افتخر به أصبحت فائدته الوحيدة أن يكون مصدراً للطاقة بعد ان فقدنا غاز الطبخ والنفط".

 

وأضاف عبد المجيد "أن تجد شخصا يمسك فأساً ويقطع الأشجار او يكسر ألواحاً خشبية من أثاث منزله ليصيغها حطبا أمر مألوف داخل المدينة لكنني امسك عدة النجارة من منشار ومطرقة وكماشة واقطع أخشابي بلمسات فنية اعتدت عليها، أحولها الى قطع صغيرة لأقوى على حرقها فأوكل مهمة حرقها في الموقد إلى زوجتي".

 

ويقول بشيء من الحسرة "اراقب اخشابي وهي تحترق ولن تعود بعد أن تحولت إلى رماد، طعامنا لا يمكن له ان يكتمل الا بحرق مقتنيات وذكريات، فكل قطعة من قالب الخشب هذا لها قصة ولها موقف ولها مشهد عالق في ذهني".

 

بعض الأهالي كانوا يذهبون  إلى المناطق الريفية ويقومون بقص الأشجار لكن بعد تفاقم الأزمة بات أصحاب تلك البساتين يبيعون الحطب بأسعار باهظة، يقول عبد المجيد "قبل أسبوعين جاري قام بشراء كمية من سعف النخيل الأخضر بمبلغ 200 الف دينار، كمية ربما تكفيه لاسبوع واحد وليس أكثر، الحياة صعبة جدا لم نمر بها حتى أيام الحصار والأزمة الاقتصادية في التسعينات".

 

منظمات مدنية عديدة تسعى إلى تقييم  حجم الكارثة الإنسانية ومنها منظمة تموز للتنمية البشرية التي أكد رئيسها علي غزال ان "كل ما توفر لدينا من معلومات يشير إلى كارثة حقيقية لابد من التصدي لها لمساعدة آلاف العائلات التي مازالت تحت سيطرة داعش وحصار القوات الأمنية وهي تفتقر إلى ابسط مقومات الحياة من الغذاء والدواء والمحروقات".

 

يشير غزال الى ان "الكارثة وصلت إلى ذروتها وبعض العائلات أقدمت على الانتحار بشكل جماعي بسبب انقطاع سبل العيش وصعوبة إيجاد الحلول أو الهروب من موت تدريجي".

 

ويضيف "هناك عجز تام للمنشآت الطبية وهي تفتقر إلى الأدوية والمستلزمات الضرورية والمدينة باتت تحت خط الكارثة الإنسانية ولابد من تحرك سريع وفوري لإنقاذ الأهالي المحاصرين الذين أنهكهم الجوع".

 

أما أم احمد التي انهكها البحث عن وقود لطعامها فلا تستطيع ان تستوعب الكارثة فيما لو طال بهم الامر تحت الحصار "قد افقد اطفالي بسبب الجوع اذا مانفذ الخباز من المناطق القريبة او لم اعثر على وقود لموقد الطعام" تضيف بألم.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.