مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

تحالفات منهارة وأخرى ناشئة:
داعش يعيد رسم الخارطة السياسية في العراق

مصطفى حبيب
بعد عامين على هجوم "داعش" أصبح العراق أمام واقع اجتماعي وامني جديد، فهناك ملايين النازحين، ودمار هائل في المدن، وآلاف القتلى في المعارك، وأيضا فان التنظيم المتشدد كان سببا في اعادة رسم الخارطة السياسية في البلاد.
21.07.2016  |  بغداد
Parliament baghdad (الصورة: Parliamentary website)
Parliament baghdad (الصورة: Parliamentary website)

 قبل أيام بدأ نواب يجمعون تواقيع لتغيير مفوضية الانتخابات استعدادا للانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في نيسان (ابريل) من العام المقبل، وبدأت الكتل منذ الآن استعداداتها لخوض أول اقتراع تشهده البلاد في ظل "داعش"، ولكن هذه المرة ستكون اللعبة مختلفة فهناك قوى سياسية انهارت وأخرى صاعدة تتنافس على المناصب الحكومية وتمتلك فصائل مسلحة خارج إطار الدولة.

 

عندما هاجم "داعش" العراق في حزيران (يونيو) عام 2014 كانت القوى السياسية قد اكملت لتوها بعد مفاوضات شاقة وطويلة استغرقت شهورا لتشكيل الحكومات المحلية في المحافظات بعد الانتخابات التي جرت في نيسان (ابريل) عام 2013، وكان من المقرر ان تبقى هذه الحكومات حتى الانتخابات المقبلة المقرر اجراؤها مطلع عام 2017.

 

ولكن سيطرة "داعش" على اربع مدن عراقية اوجد واقعا سياسيا جديدا، فالتحالفات سرعان ما انهارت بعد عام على الانتخابات، وطرد العديد من المسؤولين من مناصبهم مقابل بروز مسؤولين آخرين، وظهرت تحالفات سياسية جديدة تماشيا مع الواقع الذي فرضه "داعش".

 

في محافظة ديالى شمال بغداد كان العرف السياسي السائد في العراق بعد 2003 ينص على ان منصب محافظ المدينة (وهو اعلى منصب في ديالى) يكون من حصة العرب السنّة، اما حصة رئيس مجلس المحافظة من حصة العرب الشيعة، وبعد انتخابات 2013 أصبح عامر المجمعي من "الحزب الإسلامي" المحافظ.

 

وبعد هجوم "داعش" على ديالى وسيطرته على عدد من المدن ابرزها المقدادية، انهارت قوات الجيش والشرطة، ولكن قوات "الحشد الشعبي" من الفصائل الشيعية مثل "بدر" و"عصائب اهل الحق" تمكنت بعد معارك قصيرة من طرد "داعش" من ديالى، وهذا الانتصار جعل الشيعة هم الاقوى في المحافظة على الرغم من أن الغالبية السكانية في المدينة من العرب السنّة وبعدهم الشيعة والكرد.

 

أصبحت الفصائل الشيعية هي القوى الاساسية في المحافظة اثر سيطرتهم على المناطق السنّية، طالبت القوى السياسية الشيعية بتغيير المناصب في المحافظة حتى تمكنت من اخذ منصب المحافظ وانتخب مثنى التميمي لهذا المنصب وهو عضو في  منظمة "بدر" بزعامة القيادي في "الحشد الشعبي" هادي العامري الذي نجح في إقناع أعضاء من الاحزاب السنية في مجلس المحافظة من التحالف معهم.

 

في محافظة الأنبار غربي العراق تمكن "داعش" من السيطرة على سبع مدن رئيسية بينما ظلت مدينة واحدة تحت سيطرة الحكومة العراقية، بعد معارك عنيفة شنها الجيش ومقاتلو العشائر منذ مطلع العام الحالي، استعادت الحكومة السيطرة على أربع مدن، ولكن الأنبار تعاني اليوم من صراعات سياسية كبيرة أورثها "داعش".

 

الشهر الماضي قرر اعضاء الحكومة المحلية في الانبار اقالة المحافظ صهيب الراوي من منصبه وهو من اعضاء "الحزب الاسلامي"، وتسلم هذا المنصب خلفا للمحافظ السابق احمد الدليمي الذي اصيب خلال تواجده في احد المعارك ضد "داعش".

 

الآن هناك ثلاث قوى أساسية تتصارع على المستقبل السياسي في الانبار، الأولى هو "الحزب الاسلامي" الذي كان يسيطر على المناصب السياسية في المدينة منذ (13) سنة لكن شعبيته بدأت تتراجع ليس في الأنبار فقط وانما في جميع المدن السنية، الثاني هو تحالف جديد بزعامة اياد علاوي رئيس الوزراء السابق.

 

طه عبد الغني عضو التحالف الجديد الذي سمي بـ "وطنية الانبار" يقول لـ "نقاش" ان "هذا التحالف جاء بسبب فشل السياسيين في الانبار بعدما تعرضت المحافظة الى دمار وآلاف النازحين، وسنسعى مستقبلا الى اعادة اعمار المحافظة".

 

اما القوة السياسية الثالثة هي تحالف العشائر التي حاربت "داعش" الى جانب الجيش، وأبرزها عشائر "البو نمر" و"الجغيفي" و"البو عبيد" و"البو فهد"، وهذه العشائر لم يكن لها أي تمثيل سياسي، ولكن بعدما اصبح مقاتلو العشائر قوة امنية اساسية وانتشرت في المدن التي تحررت من "داعش" بات صوتها اعلى، وطموحاتها السياسية اكبر.

 

محمد الفهداوي احد قادة مقاتلي العشائر جنوب الرمادي يقول لـ "نقاش" إن "الأحزاب السياسية التي حكمت الانبار منذ سنوات هي السبب فيما وصلت اليه المحافظة الآن من دمار، هناك نصف مليون من سكانها تعرضوا للنزوح، والمدن باتت مدمرة ولا حياة فيها، ولن نسمح في المستقبل بعودة هذه الاحزاب".

 

وفي محافظة صلاح الدين شمال العاصمة بغداد، انحسر نفوذ "داعش" كثيرا خلال العامين الماضيين، وهو الان يسيطر على مدينة وحيدة هي "الشرقاط" شمال المدينة، بينما تعود  الحياة تدريجيا الى مدن تكريت وبيجي والعلم والدور ويثرب على الرغم من الدمار الذي تعرضت له خلال العمليات العسكرية.

 

ولكن الحكومة المحلية الحالية ليست هي نفسها قبل عامين، اذ ان مشاركة الفصائل الشيعية المنضوية في "الحشد الشعبي" في القتال ضد "داعش" وانقسام العشائر والتنافس على النفوذ والعقود المالية افرز فريقين من السياسيين، الاول يضم المحافظ السابق رائد الجبوري، اما الثاني يقوده احمد الجبوري الذي تمكن بعد صراع طويل من الحصول على منصب المحافظ، ومن المفارقات ان كلا المحافظين هم أبناء عمومة.

 

ابرم رائد الجبوري تحالفا مع "الحشد الشعبي" وراهن على هذا التحالف للبقاء في منصبه، وحاول تبرير بقاء "الحشد الشعبي" في المدينة بعد انتهاء القتال ضد "داعش"، ولكن الفريق الاخر رفض ذلك ويسعى لإخراج "الحشد الشعبي" وإعادة السلطة الأمنية الى الحكومة المحلية بموجب الدستور.

 

محافظة نينوى شمالي العراق والتي دفعت الجزء الاكبر من ضريبة هجوم "داعش" بعد ان صارت الموصل عاصمة "دولة الخلافة" وسيطر على غالبية مدنها الاخرى، لم تنج هذه المدينة ايضا من التغييرات السياسية بسبب "داعش".

 

فالموصل التي تحكمها عائلة النجيفي منذ عام 2009 والمعروفة بعدائها المتبادل مع الحكومة الاتحادية في بغداد، خسرت السلطة في المدينة عام 2015 عندما صوت البرلمان على اقالة محافظ المدينة اثيل النجيفي من منصبه واختير بدلا عنه نوفل السلطان وهو قريب من الحكومة الاتحادية.

 

التحالفات التي شكلت مجلس محافظة الموصل في انتخابات عام 2013 اصبحت في حكم المنهارة، والانقسامات وصلت الى داخل الحزب الواحد، بينما لا تزال المدينة تحت سيطرة "داعش" ومعركة تحريرها باتت على الابواب، والمؤكد ان المعركة وما بعدها سيفرض وضعا جديدا ينعكس على الجانب السياسي حول من سيحكم الموصل بعد ابو بكر البغدادي زعيم داعش؟.

 

واللافت ان جميع المحافظات الاربعة التي سيطر عليها "داعش" وهي الانبار وديالى والموصل وصلاح الدين خضعت لتغييرات سياسية كبيرة، واستبدل جميع محافظيها بلا استثناء، وتغيرت خارطة التحالفات السياسية السنّية كثيرا ولم تعد هي ذاتها التحالفات ما قبل "داعش".

 

قوى سياسية شيعية جديدة

تأثير "داعش" السياسي على العراق لم يقتصر على المدن السنية بل شمل المدن الشيعية في الجنوب، والكردية في الشمال، وعلى الرغم من ان المتطرفين لم يسيطروا على اي من المدن الشيعية والكردية ولكن تهديده العسكري لهذه المدن اوجد صراعات سياسية فيها لا تقل خطورة عن الصراعات في المدن السنّية.

 

عندما هاجم "داعش" العراق اعلن المرجع الشيعي الاعلى علي السيستاني الجهاد، وخرج مئات آلاف من الشيعة المحافظات الشيعية الثمانية لتلبية النداء (بابل، كربلاء، النجف، واسط، ميسان، ذي قار، المثنى، البصرة، اضافة الى بغداد المختلطة سكانيا).

 

وتأسست العشرات من الفصائل الشيعية المقاتلة الجديدة اضافة الى فصائل شيعية تأسست قبل هجوم "داعش" وشاركت في قتال القوات الاميركية، وبعدها في الحرب الدائرة في سورية الى جانب نظام الرئيس بشار الأسد.

 

والآن مع نجاح الفصائل الشيعية في تحرير العديد من المدن في البلاد من "داعش" اصبحت تمتلك نفوذا شعبيا واسعا، وبدأت طموحاتها السياسية بالظهور مع اقتراب الانتخابات المحلية المقبلة، واصبحت منافسا قويا للأحزاب الشيعية التقليدية التي باتت مكروهة من قبل الناخبين الشيعة الذين يحملون هذه الاحزاب مسؤولية الفقر والبطالة في مدنهم.

 

ويقول سالم الطائي وهو قائد احد الوية "الحشد الشعبي" في مدينة بيجي في صلاح الدين لـ "نقاش"، "بالتأكيد سنشارك في الانتخابات المقبلة لأننا نريد محاربة الفساد السياسي بعد ان ننتهي من محاربة داعش.. نحن نعتبر الفساد السياسي وداعش شيئا واحدا".

 

الأحزاب الشيعية الثلاثة الرئيسية التي تسيطر على حصة الشيعة من المناصب في الدولة وهي حزب "الدعوة"، و"المجلس الاعلى الاسلامي" و"التيار الصدري" بدأت تشعر بالخطر من خسارة شعبيتها لصالح الفصائل الشيعية الجديدة، وبدأت منذ الآن مفاوضات مكثفة للتحالف معها، لان الجميع يعلم بان الفصائل الشيعية باتت تمتلك شعبية في جنوب البلاد ومن المؤكد حصولها على أصوات واسعة في الانتخابات.

 

انشقاقات كردية

في ما يخص اقليم كردستان فان تأثير "داعش" السياسي انتج خلافات بين الاحزاب  الكردية الرئيسية وهي "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة رئيس الاقليم مسعود بارزاني، و"الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة جلال طالباني"، اضافة الى حركة "التغيير" بزعامة نيوشيروان مصطفى.

 

منذ (13) عاما كان حزبا بارزاني وطالباني تحت تحالف متين لم يتأثر بالعديد من الازمات التي تعرضت لها البلاد، ووحدوا اصواتهم في الحكومة والبرلمان الاتحاديين في بغداد، ولكن هجوم "داعش" والخلاف حول دور البيشمركة في محاربة المتطرفين افرز أولى الخلافات العميقة التي افضت الى انهيار هذا التحالف.

 

اليوم أصبحت مدينتا السليمانية واربيل تحت حكم حزبين مختلفين، ووصل الخلاف الى مطالبة بعض المسؤولين الكرد الى انفصال كلتا المدينتين عن بعضهما والعودة لما كانت عليه الاوضاع قبل عام 2003.

 

ومع اقتراب الانتخابات المحلية للمحافظات ستتصاعد الصراعات السياسية في العراق بشكل اكبر بين القوى التقليدية وبين قوى جديدة تسعى للحصول على تمثيل سياسي باعتبارها ساهمت في قتال التنظيم المتشدد، وهذه الصراعات ستكون التحدي المقبل في العراق بعد انتهاء مرحلة "داعش"، والشيء المؤكد ان الخريطة السياسية المقبلة في العراق لن تكون نفسها قبل "داعش".

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.