مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

مصالح متضاربة تمنع الإصلاح السياسي:
تحالفات سياسيّة هشة تضع العراق على حافة الانهيار

مصطفى حبيب
تطورات سياسية متسارعة عاشها العراق الأسبوع الماضي، إذ انقسم البرلمان إلى فريقين للمرة الأولى منذ 2003، بعد فشل مشروع الإصلاح الحكومي، وكل ذلك بسبب التحالفات السياسية الهشة التي باتت تهدد العراق.
21.04.2016  |  بغداد
معصوم يتوسط العبادي والجبوري (الصورة: الموقع الرسمي للبرلمان العراقي)
معصوم يتوسط العبادي والجبوري (الصورة: الموقع الرسمي للبرلمان العراقي)

 الأسبوع الماضي أعلن (174) نائباً استبعاد رئيس البرلمان سليم الجبوري من منصبه، بينما رفض 154 نائباً ذلك، ليتحول البرلمان إلى فريقين متخاصمين، والمفارقة إن كلا الفريقين يضمون نوابا سنة وشيعة وكرداً، على عكس ما كان يجري منذ سنوات حيث كان كل الشيعة والكرد يتحالفون ضد السنة او كل الكرد والسنة ضد الشيعة او كل السنة والشيعة ضد الكرد.

 

النواب الذين طردوا الجبوري من منصبه واختاروا عدنان الجنابي بديلا مؤقتاً، برروا موقفهم بأنهم يريدون تحقيق الإصلاح السياسي واختيار المناصب بعيدا عن المحاصصة السياسية، ولكن كان عليهم طرد رئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس الجمهورية فؤاد معصوم من مناصبهم أيضاً ليثبتوا حسن نيتهم، ولكن هذا لم يحصل.

 

طبقا للعرف السياسي في العراق بعد 2003، يدار الحكم وفق قاعدة الطاولة ذات الأرجل الثلاثة، يحصل الكرد على منصب رئاسة الجمهورية، بينما للشيعة منصب رئاسة الوزراء، وللسنّة رئاسة البرلمان، وعندما تم طرد ممثل السنّة فقط من منصبه الاسبوع الماضي ظهرت اتهامات الى النواب الجدد بأنهم يستهدفون السنّة فقط.

 

وانقسم النواب الى فريقين، الفريق الاول الذي طرد الجبوري من منصبه يضم حزب "الدعوة" (49 نائبا) و"الأحرار" (34) و"الوطنية" (21)، ونحو ثلث نواب "اتحاد القوى الوطنية" (السنيّة) الذي يضم 50 نائبا، وعشرات النواب الذين انشقوا من باقي الكتل السنية والشيعية والكردية.

 

اما الفريق الثاني الذي رفض طرد الجبوري، يضم النواب الكرد (61 نائبا) وكتلة "المواطن" (30 نائبا) ونصف أعضاء كتلة "دولة القانون" بدون حزب الدعوة، ويبلغ عددهم نحو 60 نائبا، ونواباً آخرين أيضا من المكونات الثلاثة.

 

وبنظرة بسيطة إلى أعضاء الفريقين ترى تحالفات برلمانية خارج إطار المحاصصة للمرة الأولى، وهي خطوة سياسية جيدة، ولكن عند التمعن في النظر إلى مصالح الفريقين يتبين ان هدفهم ليس الإصلاح وإنما مصالح حزبية مختلفة، كل هذا يحصل بسبب التحالفات السياسية الهشة.

 

مصالح متضاربة

بعد أيام قليلة خسر الفريق الذي طرد رئيس البرلمان من منصبه بريقه، بسبب تباين المصالح والأهداف بين أفراده، لان كل حزب لديه هدف خاص به من وراء ذلك ولم ينجحوا في اتخاذ قرارات أخرى.

 

هدف كتلة "الأحرار" التابعة الى التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر هو إقالة رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية ورئيس البرلمان واختيار وزراء مستقلين جدد، اما هدف حزب "الدعوة" هو تغيير رئيس البرلمان واختيار وزراء مستقلين والإبقاء على رئيس الوزراء حيدر العبادي في منصبه لأنه ينتمي الى حزب "الدعوة"، اما هدف ائتلاف "الوطنية" تغيير رئيس البرلمان ورئيس الوزراء فقط، والإبقاء رئيس الجمهورية في منصبه.

 

كما ان هذه الأحزاب لديها خلافات كبيرة، ومثلا فان التيار الصدري يعتبر حزب "الدعوة" عدوه اللدود ومن المستحيل التحالف معه مستقبلا، وينتقد زعيمه مقتدى الصدر في أكثر من مرة رئيس حزب "الدعوة" نوري المالكي.

 

اما النواب الآخرون الذين انشقوا بشكل منفرد عن أحزابهم فكانت لديهم أهداف اخرى، مثلا الحصول على مناصب كبيرة، او الانتقام من زملائهم في الحزب نفسه، وكان القليل بينهم لديه هدف حقيقي بالإصلاح، ولهذا كان مصير هذا الفريق الفشل.

 

وهناك خروقات دستورية حصلت في طريقة استبعاد الجبوري من منصبه، المادة 12 من النظام الداخلي للبرلمان تقول ان بإمكان "النواب انتخاب رئيس جديد للبرلمان بشرط غياب رئيس البرلمان ونائبيه، ويجب انتخاب رئيس جديد وفقا لضوابط التوازن السياسي بين جميع الكتل".

 

ولكن رئيس البرلمان ونوابه لم يكونوا غائبين بل كانوا موجودين في البرلمان ولكن تم منعهم من الحضور إلى الجلسة، كما ان النواب لم يطبقوا مبدأ التوازن السياسي في اختيار رئيس جديد له، واختار رئيسا مؤقتا هو عدنان الجنابي باعتباره اكبر النواب سنا.

 

رئيس الجمهورية الذي يمتلك صلاحيات دستورية كبيرة في القضايا المتعلقة بإقالة المسؤولين الكبار وإلغاء البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، واختيار رئيس جديد للبرلمان، لم يؤيد ما قام به النواب في طرد الجبوري من منصبه، وهو ما وضع النواب في موقف محرج.

 

تحالفات سياسية هشة

انقسام البرلمان الى فريقين يعد تطورا جديدا في العراق لكنه متوقع، ابرز أسبابه هي التحالفات السياسية التي أصبحت هشة بعد (13) سنة من الممارسة السياسية، فالنواب بدأوا يتمردون على قرارات أحزابهم، ولكنهم لا يستطيعون إجراء تغييرات سياسية كبيرة لأنهم من دون برنامج موحد.

 

قبل سنوات كانت الكتل السياسية قوية، والنواب سواء كانوا سنة ام شيعة ام كردا، يدافعون عن اهداف احزابهم حتى النهاية عند حصول خلافات، ولكن اليوم توجد خلافات كبيرة داخل الحزب الواحد.

 

ومثلا فان كتلة "التحالف الوطني" التي تضم ثلاثة أحزاب أساسية، "ائتلاف دولة القانون"، "المجلس الأعلى الإسلامي"، التيار الصدري، ليست متوافقة فيما بينها وهناك خلافات عنيفة فيما بينهم.

 

والشيء نفسه ينسحب على "تحالف القوى الوطنية" الذي يضم "الحزب الاسلامي"، "متحدون"، "جبهة الحوار الوطني"، و"حركة الحل"، وايضا مع "التحالف الكردستاني" الذي يضم "الاتحاد الوطني الكردستاني"، "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، "حركة التغيير"، و"الجبهة الاسلامية الكردستانية".

 

بل ان الخلافات أصبحت داخل حتى الحزب الواحد، حزب "الدعوة" الذي ينتمي اليه كل من رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي، فريقان منقسمان بينهم، البعض مع العبادي والآخر مع المالكي.

 

هذه الخلافات خلقت واقعا سياسيا خطيرا في العراق، فالدستور الذي ينص على ضرورة مشاركة الجميع في حكم العراق ويجب اتخاذ القرارات والتصويت على القوانين المهمة بالتوافق السياسي أصبح الآن مستحيلا، ولهذا يفشل البرلمان منذ شهور في إقرار قوانين مهمة، بينما كانت هذه المهمة أسهل قبل سنوات.

 

المحلل السياسي زياد احمد يقول لـ"نقاش" إن "إلغاء المحاصصة السياسية شيء جيد، ولكن يجب ان يكون التغيير بالتدريج وليس مستعجلا، لان إلغاء النظام السياسي القائم منذ سنة 13 في يوم واحد يهدد باندلاع فوضى في العراق خصوصا وان البلاد تواجه معركة شرسة ضد تنظيم داعش".

 

توقيت غير موفق

يتفق الجميع في العراق وخارجه على أن البلاد بحاجة الى اصلاح سياسي واسع بعد فشل العملية السياسية بعد سقوط نظام صدام حسين في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتفشي الفساد المالي والاداري على نحو واسع على الرغم من العائدات المالية الكبيرة التي حصل عليها العراق من بيع النفط خلال السنوات العشرة الماضية.

 

وما زالت الخدمات الاساسية من الماء والكهرباء سيئة، وازمة السكن أجبرت الآلاف على بناء منازل عشوائية مؤقتة، وأزمة البطالة مرتفعة، والمشكلة الأكبر هي الفشل في تحقيق استقرار امني أسفر عن مقتل وإصابة وهجرة الملايين من العراقيين في اقسي تجربة يشهدها العراقيون منذ عشرات السنين.

 

ولكن إجراء الإصلاح السياسي في الوقت الذي تخوض فيه البلاد حرباً شرسة ضد تنظيم "داعش" يبدو مجازفة لا تخلو من المخاطر، لان السياسيين لم ينجحوا في ايجاد قوات امنية مستقلة عن السياسة، وقوات الجيش والشرطة و"الحشد الشعبي" تابعة الى الاحزاب السياسية ولهذا فأن قوات الامن معرضة للانهيار.

 

رئيس الوزراء حيدر العبادي حذر في تعليق له على ما جرى في البرلمان من فوضى سياسية الاسبوع الماضي قد تؤثر سلبا على الحرب ضد "داعش"، الجيش حقق انتصارا كبيرا في تحرير مدينة "هيت" في الانبار الأسبوع الماضي، ولكن الفوضى السياسية غطت على هذا الانتصار المهم.

 

النائب في البرلمان سليم شوقي يقول لـ"نقاش" إن "البلاد تواجه ظروفا امنية واقتصادية صعبة، والدعم المالي الذي أعلن الأمين العام للامم المتحدة بان كي مون خلال زيارته بغداد قبل ايام منحه للعراق كان مشروطاً بوجود استقرار سياسي".

 

ويضيف ان "الفوضى التي حصلت في البرلمان واستبعاد رئيس البرلمان سليم الجبوري باعتباره الممثل السنّي الأبرز في العملية السياسية قد تجعل المجتمع الدولي يتهم الحكومة بالتمييز الطائفي ويعطل المساعدات العسكرية والمالية".

 

توافق أميركي – إيراني على رفض التغيير

تلعب الدول الإقليمية والدولية دورا أساسيا في صياغة النظام السياسي في العراق منذ سنوات، وبالتالي فان أي تحرك سياسي داخلي لن يكون بمعزل عن مصالح الدول الإقليمية وخصوصا إيران والولايات المتحدة، ومن المفاجآت ان طهران وواشنطن متفقة على رفض إجراء تغيير في النظام السياسي القائم في العراق.

 

المبعوث الخاص للرئيس الأميركي بريت ماكغورك أعلن خلال لقائه مجموعة من القادة السياسيين عن رفض استبعاد رئيس البرلمان سليم الجبوري، كما أن السفير الايراني في بغداد حسن دنائي فر عدّ استبعاد الجبوري خطوة غير دستورية، خلال لقائه رئيس ائتلاف "متحدون" أسامة النجيفي.

 

وبهذه المواقف يبدو إجراء تغيير سياسي مستحيلا لان تجاوز المواقف الإقليمية والدولية لا يضع العراق امام خطر مقاطعة هذه الدول فقط، بل قد يقطع الإمدادات المالية والعسكرية التي يحصل عليها العراق من المجتمع الدولي.

 

ايران تمول الفصائل الشيعية المنضوية في "الحشد الشعبي" التي تقاتل "داعش"، اما واشنطن فتقوم بعمليات جوية واسعة ضد "داعش"، وتقوم بمساعدة العراق في ازمته المالية الحالية.

 

طبقا لما سبق فان الحركة الجديدة في البرلمان لن يكتب لها النجاح، فالحرب التي تخوضها البلاد ضد "داعش"، وتباين المصالح بين القوى السياسية العراقية، والتوافق الدولي على رفض إجراء تغيير في التركيبة السياسية العراقية في الوقت الحاضر ليست في صالح اجراء إصلاح سياسي حقيقي يطالب به الشعب العراقي منذ شهور عبر التظاهرات والاعتصامات.

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.