مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

العنف والازمات الاقتصادية تلاحقهم:
عام 2015 : كابوس دفع العراقيون ضريبته

مصطفى حبيب
سنة صعبة أخرى مرّت على العراقيين في 2015، العنف والتهجير ومغادرة البلاد والبطالة كوابيس لاحقتهم، دفع كل عراقي ضريبته منها، وعلى الرغم من الخلافات الطائفية والسياسية، لكن المؤكد أن العام الماضي كان صعباً على الجميع.
31.12.2015
نازح عراقي يلون يده باللون الأحمر الذي يرمز للدم في إحدى المظاهرات ضد العنف (الصورة: حيدر محمد علي )
نازح عراقي يلون يده باللون الأحمر الذي يرمز للدم في إحدى المظاهرات ضد العنف (الصورة: حيدر محمد علي )

 في منطقة الرفاعي في مدينة الناصرية جنوب العراق، يجلس رجل كبير بالسن مع زوجة ابنه وأطفالها الثلاثة في منزل صغير تتوسط احد حيطانه المفطورة صورة كبيرة لشاب بملابس عسكرية عليها شريط اسود، تعود للجندي في الجيش العراقي كاظم الزيدي الذي قتل في المعارك ضد تنظيم "داعش" في الأنبار في كانون الثاني (يناير) من 2015.

 

يقول أبو كاظم بعد أن اخذ جرعة الأدوية اليومية الخاصة به بسبب مرض السكر، لـ"نقاش" ان "عام 2015 أسوأ الأعوام في حياتي، خسرت ابني في الحرب.. عندما جاء زملاؤه لإبلاغي بمقتله كدت افقد عقلي ولم اصدق حتى رأيت جثته وهي مرصوفة بين عشرات القتلى في إحدى القواعد العسكرية المخصصة لنقل القتلى من الجبهات إلى بغداد".

 

ويضيف "على الرغم من مرور احد عشر شهرا على فقدان ابني لكني لم أتجاوز هذه الخسارة، وكلما انظر إلى أطفاله الثلاثة الصغار وزوجته يتملكني الحزن، وازدادت حالتي الصحية سوءا.. ولكن زياراتي العديدة لمجالس عزاء جنود آخرين قتلوا في الحرب، وأخبار العشرات من الجنود القتلى من سكان مدينتي تقلل وطأة حزني".

 

ينتقد أبو كاظم الحكومة لأنها لا تعتني بعائلات القتلى من الجنود، وهو يذهب بشكل أسبوعي منذ شهور مع زوجة ابنه إلى الدوائر الحكومية لإكمال معاملة التقاعد الخاصة بابنه القتيل للحصول على راتب لإعالة عائلة ابنه، وحتى الآن لم تكتمل المعاملة.

 

في 21 من الشهر الحالي أعلنت وزارة الدفاع أول حصيلة حول ضحايا عناصر الجيش، وأوضحت أن (2649) ضابطا وجنديا قتل منذ حزيران (يونيو) عام 2014 وحتى الآن، بينما جرح (11230)جنديا وضابطا اثناء المعارك ضد تنظيم "داعش".

 

ولكن هناك أعداد كبيرة أخرى من القتلى والجرحى غير معروفة، وزارة الداخلية لم تعلن عن أعداد ضحايا منتسبيها، كما أن الفصائل الشيعية في "الحشد الشعبي" ترفض الكشف عن أعداد قتلاها، ولكن المعلومات تشير إلى وجود أعداد كبيرة من القتلى تمتلئ بهم مقابر النجف، وهو المكان المفضل للشيعة لدفن موتاهم.

 

في خيمة من القماش عليها شعار الأمم المتحدة تبلغ مساحتها عشرة أمتار يجلس حاتم الفهداوي مع أمه وزوجته واثنين من أطفاله، حصل على الخيمة بعد أن نزح من مدينته في الأنبار بسبب العمليات العسكرية وسيطرة تنظيم "داعش" على المنطقة التي يسكن فيها.

 

يعيش حاتم وعائلته بنمط القرون الوسطى، فالماء يجلبه بواسطة وعاء كبير من مسافات بعيدة، بينما تطبخ زوجته الطعام باستخدام حطب الأشجار وبقايا الخشب، ويمشون لمسافات بعيدة للوصول إلى الحمامات العامة التي لا تزيد عن 10 حمامات مخصصة للمئات من النازحين.

 

يقول حاتم لـ"نقاش" إن "عام 2015 كان كابوسا مخيفا بالنسبة لي ولعائلتي، انظروا كيف نعيش الآن.. الخيمة تنهار مع هطول الأمطار ولا تحمينا من حرارة الصيف وبرد الشتاء، وأطفالي دائما يتعرضون للمرض".

 

يتذكر حاتم كيف كان يعيش في منزله الكبير الذي تبلغ مساحته (200) متر في حي "الأندلس" في مدينة الرمادي، ويمتلك سيارة أجرة يعمل فيها، ولكن المنزل والسيارة ورصيد نقوده في المصرف ذهبت بعدما احتل "داعش" المدينة واستولى عليها.

 

ويسيطر تنظيم "داعش" على اغلب المدن في الأنبار، واستطاع السيطرة على الرمادي عاصمة الانبار في ايار (مايو) الماضي، لكن الجيش العراقي ومقاتلو العشائر حاولوا منذ ثلاثة أشهر تحرير المدينة ونجحوا في ذلك قبل أيام.

 

ويقول حاتم "خسرت كل شيء في هذه السنة، منزلي مدمر وسيارتي واموالي في البنك استولت عليها داعش لأن من يترك المدينة يعتبر خائنا.. في بعض الاوقات وانا ارى زوجتي واطفالي داخل الخيمة اشعر بالاحباط وعدم رغبتي بالحياة.. بعض النازحين انتحروا بسبب هذه الضغوط".

 

في آخر تقرير أصدرته مفوضية الامم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين بلغت أعداد النازحين العراقيين من مدنهم بسبب اعمال العنف 3 ملايين و200 الف شخص غالبيتهم من محافظة الانبار غربي العراق، ويعيشون الآن في العديد من المدن في بغداد وإقليم كردستان وكركوك.

 

قبل أسابيع قليلة غادر أنور جرجيس وهو مسيحي من بغداد مع زوجته وابنته العراق، وهو الان في النمسا لطلب اللجوء بسبب الاوضاع الامنية غير المستقرة في بغداد، باع منزله في منطقة الغدير وسط العاصمة وباع سيارته والسوق التجارية التي كان يمتلكها، تخلى انور تقريبا عن كل شي يملكه في العراق.

 

يقول انور لـ"نقاش" عبر الهاتف "هاجرت العراق رغما عني، هاجر جميع اقربائي تقريبا وكذلك جيراني من المسيحيين منذ سنوات، كنت ارفض هجرة المسيحيين من بغداد.. إنها مدينتنا ونعيش فيها منذ عشرات السنين.. ولكن ضغوط زوجتي وابنتي أجبرتني على الهجرة".

 

قبل سنوات كانت الكنيسة في المنطقة التي يعيش فيها انور في بغداد تشهد حشودا واسعة من المسيحيين كل يوم احد وفي الاعياد والمناسبات، ولكن في الاشهر القليلة تقلصت الأعداد كثيرا، وبدأت الكنيسة تغلق ابوابها باستثناء ايام الاعياد، وبدأت في الآونة الاخيرة تقيم حفلات وداع للعائلات التي تغادر العراق.

 

أنور يقول إنه لن ينسى عام 2015 طيلة حياته ويقول "انه العام المشؤوم الذي غادرت فيه بلادي الى غير رجعة".

 

ما زال انور يتذكر الانفجار الذي حصل بالقرب من منزله في منطقة الغدير في ايلول (سبتمبر) من العام الماضي، ويقول "كنت على بعد أمتار فقط من التفجيرات التي سببها انفجار سيارتين ملغمتين، ما زال صوت التفجيرات يتردد في اذني، وطعم الغبار الذي غطى المكان، المشهد كان مرعبا، رأيت عشرات القتلى والجرحى.. بعدها زوجتي توسلت إليّ بمغادرة بغداد".

 

على الرغم من أن اعمال العنف تطال جميع سكان بغداد دون تمييز بين الطوائف، ولكن المسيحيين يتعرضون لعنف إضافي من قبل مسلحين يسعون الى فرض الشريعة الاسلامية، ويقومون بتفجير محال بيع المشروبات الكحولية واغلاق النوادي التي يمتلكها في الغالب مسيحيون وفق القانون منذ عشرات السنين.

 

ولكن الهجرة إلى خارج العراق لم تشمل المسيحيين بل شملت ايضا المسلمين، وخلال الصيف الماضي هاجر مئات الآلاف من العراقيين من جميع الطوائف الى أوربا عبر تركيا، ولكن الحكومة العراقية لا تمتلك إحصائية دقيقة بأعدادهم لأنهم غادروا بطريقة غير مشروعة.

 

أغلق سامان خليل مطعمه الصغير في منطقة السوق القديمة وسط اربيل منذ شهور، ويسعى لبيعه ولكن لم يجد احداً ليشتريه، فالأزمة الاقتصادية التي يعيشها اقليم كردستان خلال عام 2015 كان سامان احد ضحاياها اسوة بغالبية السكان في مدينته.

 

ويقول سامان لـ "نقاش" إن "الوضع الاقتصادي يعاني من مشاكل كثيرة في أربيل، وتقلص عدد الزبائن الى مطعمي وبدأت اخسر بسبب أجور العمال والضرائب، ولهذا قررت إغلاق المطعم وعرضه للبيع.. وحتى الآن لم احصل على من يشتري المطعم، الناس خائفون من المشاريع ويفضلون الاحتفاظ بأموالهم بدلا من استثمارها".

 

زوجة سامان التي تعمل معلمة في احدى مدارس أربيل هي أيضاً كانت احد ضحايا الازمة الاقتصادية، فحكومة اقليم كردستان لم تستطع دفع الرواتب لهم في موعدها، وهي تنتظر الحصول على راتبها منذ اربعة اشهر، وعلى الرغم من التظاهرات التي اقامها المعلمون للمطالبة برواتبهم لكنهم لم يحصلوا سوى على وعود.

 

الأزمة الاقتصادية لم تقتصر على اقليم كردستان بل جميع العراق ولكنها بدأت في كردستان بسبب الخلافات بين حكومة اقليم كردستان وبين الحكومة الاتحادية بشأن تنظيم انتاج النفط، ولم تدفع الحكومة الاتحادية أموالا الى حكومة كردستان بسبب ذلك.

 

واقر البرلمان العراقي في 16 من الشهر الحالي موازنة عام 2016 وبلغت (85) مليار دولار، وعجز مالي يبلغ (24) مليار دولار، وهي موازنة اقل من موازنة عامي 2015 و2014، بسبب انخفاض اسعار النفط، الذي يهدد الاقتصاد العراقي بشكل كبير، واضطرت الحكومة الى الاستدانة من البنك الدولي، وتقليص النفقات وإيقاف التوظيف الحكومي.

 

يودّع العراقيون عام 2015 وهم يحملون الكثير من الذكريات الحزينة، الازمات الامنية والاقتصادية والسياسية تلاحقهم في كل مكان، والأكثر حزنا أنهم غير متفائلين بالعام الجديد، لانهم تعلموا درسا منذ سنوات يردده اغلب العراقيون في أحاديثهم، "اليوم افضل من غدا، العام الماضي أفضل من هذا العام، والعام المقبل سيكون أسوأ من هذا العام".

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.