مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

«داعش» تختار الدبلوماسية لتجنب هزيمة في الفلوجة

مصطفى حبيب
اختار تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف بـ "داعش" الدبلوماسية، وقرر "انسحاباً ماكراً" من مدينة الفلوجة التي سيطر عليها لعدة أيام لتلافي هزيمة متوقعّة على يد الجيش العراقي هو في غنى عنها بعد الهزائم…
9.01.2014  |  بغداد
A local an outside of Fallujah makes a victory sign. Pic: Getty
A local an outside of Fallujah makes a victory sign. Pic: Getty

وبحسب مصادر عشائرية موثوقة في مدينة الفلوجة التي تبعد 60 كيلو متر غرب العاصمة بغداد تحدثت لـ "نقاش"، فإن اتفاقاً جرى مساء الثلاثاء الماضي بين عشائرها وبين عناصر "داعش" التي سيطرت على المدينة، يقضي بالانسحاب من المدينة لمنع الجيش العراقي من اقتحامها.

وبينما هددت الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي منذ مطلع الأسبوع الحالي باقتحام المدينة في حال عدم قيام سكانها بطرد عناصر "داعش"، وكان الجيش العراقي يعزز قواته ومعداته على حدود الفلوجة تمهيدا لاقتحامها.

الاتفاق الذي جرى في الفلوجة في أجواء سرية وسط المدينة التي تشكل القبائل السنية المتمسكة بتعاليم الإسلام غالبية سكانها، كان الهدف منه منع تعرض المدينة لخراب كالذي تعرضت له عام 2004 على يد الجيش الأميركي عندما حاول اقتحام المدينة بعد مقتل 4 عناصر متعاقدين أمنيين مع الجيش الأميركي على يد السكان وتم تعليق جثثهم على أعمدة الكهرباء في المدينة.

وعلى الرغم من إن الدبلوماسية والحلول السياسية لم تكن يوماً في أجندات تنظيم القاعدة، لكنه اختار هذه المرة اللجوء إليها لتلافي تلقيه هزيمة ثانية خلال أسبوع واحد بعدما تلّقى الهزيمة الأولى في سوريا، خصوصاً وإن "داعش" لم تثّبت أقدامها جيداً في الفلوجة.

يقول الشيخ أحمد الجميلي وهو زعيم قبلي في الفلوجة لـ "نقاش" إن "المسلحين الذين دخلوا المدينة لم يتجاوز عددهم العشرات ويمتلكون أسلحة خفيفة ومتوسطة وليس باستطاعتهم إخضاع مدينة مثل الفلوجة يمتلك جميع سكانها الأسلحة في المنازل".

وطبقاً للجميلي فإن تهديدات الجيش العراقي باقتحام المدينة، وعدم رغبة سكان الأنبار بالتعرض لحرب على رغم تعاطفهم الحذِر مع القاعدة اضطرت التنظيم لإخفاء وجوده من المكان وفسح المجال أمام العشائر لإدارة شؤونها.

وبالمجمل رسم الاتفاق بين عشائر المدينة و"داعش" تصوراً على إن السكان طردوا داعش تلبية لمناشدة المالكي الاثنين الماضي، للأهالي بطردهم وإلا تعرضوا لعلمية عسكرية، ولكن هل سيرضي هذا الاتفاق المالكي وتجعله يعدل عن فكرته باقتحام المدينة؟

كيف سيطرت داعش على الفلوجة خلال يومين فقط؟

لم يكن ممكناً إن يتمكن تنظيم القاعدة من السيطرة على مدينة الفلوجة خلال يومين بعد الفوضى التي شهدنها مدينة الانبار بعد فض التظاهرات السلمية بالقوة في30 من الشهر الماضي لولا استغلالها تذمر السنة من الحكومة الشيعية.

وأيضا فإن جيل القاعدة الحالي هم عراقيون ينتمون إلى عشائر سنية من الأنبار وتحديداً من الفلوجة والرمادي وتجمعهم روابط قبلية قوية.

سكان الأنبار وتحديداً الفلوجة هم قبائل سنية تلتزم الدين، كما إن القاعدة أيضاً من الديانة السنية، والتقت مصالحهم في مواجهة الحكومة الشيعية بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي.

يقول الباحث الاجتماعي أحمد الكبيسي لـ "نقاش" "بسبب غياب مفهوم الدولة والمواطنة في العراق بعد 2003 لجأ العراقيون إلى العشائر طلبا للحماية".

ووقع اختيار القاعدة على الفلوجة لسببين، أولا لأنها من أكثر المدن العراقية نقمةً على الحكومة وسكانها يعتبرون السياسيون الشيعة خائنين لأنهم جاؤوا على ظهر الدبابات الأميركية، كما إن السياسيون الشيعة فشلوا طيلة عشر سنوات من 2003 في تطمين الطائفة السنية بالعيش في أمان بل على العكس عمدت الحكومات الشيعية إلى تهميش السنة.

هذا الشعور بالظلم لدى السنة أخذ يتزايد شيئاً فشيئاً على مر السنوات التي تلت سقوط صدام حسين، وتفجرت في تظاهرات سلمية حاشدة استمرت عاماً كاملاً، لكن الحكومة لم تنجح في تلبية مطالبهم رغم التوصيات الأميركية للمالكي بل على العكس أقدمت على إنهاء التظاهرات بالقوة، وهو ما دفع عشائر الأنبار لحمل السلاح.

ويقول على الحاتم أحد الناشطين في التظاهرات السنية وهو زعيم قبلي لـ "نقاش" إن "التظاهرات التي جرت كانت تهدف لإعادة حقوق السنة المسلوبة منذ عشر سنوات".

ويضيف "كنا نتوقع من الحكومة الاستجابة إلى مطالبنا لكنها عمدت على فض التظاهرات بالقوة على الرغم من سلميتنا وهو ما اضطر أبناء العشائر إلى رفع السلاح".

في هذا الوقت انتهزت "داعش" هذه الظروف وقدمت نفسها كمدافع عن أهل السنة في العراق.

وعلى الرغم من إن السنة يتذكرون جيداً أفعال القاعدة قبل سنوات، ويستحضرون ما تفعله "داعش" في سوريا من أعمال وحشية بحق الأهالي، لكن غضب السنة على الحكومة هذه الأيام، أكثر من غضبهم على القاعدة ما دعاهم إلى التعامل معهم وفق مبدأ عدو عدوي صديقي كما يقول المثل.

وجيل القاعدة الحالي في العراق هم من العراقيين الذين ينتمون إلى قبائل سنية كما إن قياداتها أيضاً عراقية على النقيض مما كان عليه الحال عام 2006 عندما كان يقودهم مجاهدين عرب حتى إن زعيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي الذي قتل في 2006 بغارة أميركية في محافظة ديالى شرق البلاد كان أردنياً.

ما حدث في الفلوجة الأسبوع الماضي بعد صلاة الجمعة حينما صعد شخص من تنظيم داعش وهو عراقي على المنصة وقال مخاطباً المصلين من أهالي المدينة "نحن أنصار الدولة الإسلامية، لا نريد إيذائكم فنحن منكم وسنساعدكم على محاربة الحكومة الشيعية، ولن نتصرف من تلقاء أنفسنا وسننفذ ما تأمرون به انتم أهالي المدينة وعشائرها".

يكشف هذا الحديث الذي أكده أحد مصادر المدينة لـ "نقاش" إن القاعدة لن تقوم حالياً بممارسة التشدد خشية تذمر أهالي المدينة، كما إن عناصرها الذين ينتمون إلى قبائل سنية من الأنبار لن يقوموا بمقاتلة قبائلهم كما إن قادة قبائلهم لن ترفع السلاح بوجههم حالياً لأن لديهم عدو مشترك.

اليوم هناك ثلاث مجموعات تقاتل في الأنبار وتحديداً في الفلوجة أولها القوات الأمنية ومعظمهم من الشيعة القادمين من جنوب ووسط البلاد والطرف الآخر هم أبناء العشائر المسلحة أصحاب الأرض، وثالثهم تنظيم داعش.

وعلى ما يبدو فإن العشائر هي العنصر الحاسم في المعركة، وإن أحد الطرفين ممن ينجح في كسب العشائر إلى جانبه سيكون الانتصار من نصيبه.

وتبدو فرصة الحكومة بكسب العشائر ضئيلة جداً لأن الحكومة تعاملت معهم بتهميش، كما أنها وجهت إهانة كبيرة للعشائر من خلال إنهاء اعتصامها السلمي بالقوة، واعتقلت نائب ينتمي إلى أكبر عشائر الأنبار وأكثرها احتراماً وهو احمد العلواني، وتميل الكفة إلى القاعدة حاليا الذي استثمر سخط العشائر إلى الحكومة للتغلغل، كما انه لم يظهر مواقفه المتشددة بعد بانتظار الوقت لتدعيم وجوده.

ولكن مراقبون يقولون انه على المدى البعيد فإن العشائر في النهاية ستنتفض ضد القاعدة بعد أن تضيق ذرعاً بتصرفاتها في الأنبار، وعلى الحكومة اتخاذ خطوات حقيقية للتصالح العشائر وإقناعها من خلال الوسائل لا من خلال الوعود الكلامية بإنهاء تهميش السنة في الحكم.

يقول قائد أميركي متقاعد لـ "نقاش" خدم في العراق وطلب عدم الإشارة إلى اسمه "إن "لا حل عسكري في الفلوجة والانبار، هذه المدينة تعرف كيف تقاوم أعدائها، حتى جيوشنا العظيمة لم تستطع إخضاعها بالقوة".

ويتذكر العالم جيداً حرب القوات الأميركية في الفلوجة في عام 2004 عندما هاجمتها القوات الأميركية انتقاماً من قيام أهلها بقتل أربع عناصر من شركة بلاك ووتر للحماية الأمنية وتعليق جثثهم على أعمدة الجسور، لكن القوات الأميركية خسرت الكثير في هذه الحرب.

يضيف القائد الأميركي "على الحكومة التصالح مع أهالي الفلوجة، عليها إعلان عفو عن أبنائها الذين انخرطوا في العمل مع القاعدة بسبب الحاجة للمال لإعالة عائلاتهم وليس حباً في العنف".

يضيف "لقد جلسنا مع العديد من عناصر القاعدة العراقيين وتصالحنا معهم وأعطيناهم رواتب للعمل في قوات الصحوة ونجحت الفكرة بعدما قامت الصحوة بمحاربة عناصر القاعدة الذين رفضوا ترك القاعدة لكن الحكومة على ما يبدو قامت باعتقال الصحوات بعد انسحابنا من البلاد وهو ما أعاد الأمور إلى سابقها.

يردد سكان الفلوجة دائما شعار "سلاحك شرفك فلا تلقي شرفك"، ومن الصعوبة التعامل معها بمنطق القوة، ويخبرنا التاريخ على إنها ترفض السلطة وظلمها.

ومثلا بينما كانت باقي المدن العراقية تستقبل الدبابات الأميركية التي دخلت بلادها بالورود والفرح عام 2003، استقبلت الفلوجة الجيش الأميركي بالاستنكار وخرجت تظاهرة شعبية من العشرات قتل على إثرها العديد من الأهالي.

حتى إنه في عهد الرئيس السابق صدام حسين المعروف ببطشه، ثار أهالي الانبار ضده بعد قيام صدام حسين بإعدام احد كبار الضباط في الجيش من أهالي الأنبار ويدعى محمد مضلوم الدليمي وهو من نفس عشيرة النائب المعتقل حاليا أحمد العلواني، بتهمة التآمر لمحاولة انقلاب عام 1995، وتمكن أهالي الأنبار من إسقاط المدينة لعشرة أيام قبل إن يتمكن صدام حسين من إنهاء التمرد مستخدماً الدبابات.