مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

تقسيم العراق
ما هي احتمالية قيام دولة كردستان المستقلة؟

شوان زولال
الخلافات بين بغداد وكردستان العراق جعلت بعض السياسيين المحليين دعاةً لإنفصال إقليم كردستان عن العراق ليصبح كيانا قائما بذاته.
12.07.2012  |  لندن

هذا السيناريو يبدو بعيداً عن الواقعية اليوم فالإعتبارات التي تعني الجميع اليوم هما المال والنفط، أما الإعتبارات السياسية فهي في أدنى درجات الأهمية كما يعلق أحد السياسيين الأكراد.

في الآونة الأخيرة، تزايدت وتيرة التعليقات والتصريحات حول إمكانية قيام كيان كردستان العراق المستقل. ومع تفاقم حالة التوتر القائمة بين بغداد وإقليم كردستان في الشمال الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي بدأ الأكراد يلعبون بورقة "الاستقلال" مثلما بدأ السياسيون المحليون والمعلقون يدلون بوجهات نظرهم حول هذا الموضوع بشكل علني لم يسبق له مثيل.

ليس خافيا على أحد أن غالبية الأكراد يرغبون بقيام كيان كردستاني مستقل، حيث أصبحت الدعوة لقيام مثل هذا الكيان المستقل إحدى أسهل الطرق التي يمكن أن يسلكها السياسيون من أجل تدعيم شعبيتهم.

الرئيس الكردي مسعود البارزاني أعطى مؤخرا انطباعا بأنه يريد أن يرى دولة كردستان عراقية مستقلة، إلا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يترأسه هو بنفسه وينتمي إليه والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، وهما الحزبين الرئسيين في كردستان العراق كانا قاوما سابقاً إغراءات مشابهة.

والنتيجة هي أن معظم السياسيين الأكراد لا يزالون يتحدثون عن "عراق موحد" على الرغم من عدم تأييد الرأي العام الكردي للفكرة. وهما بموقفهما هذا محقيّن للغاية، فإذا كنت سياسيا كرديا وتحتاج للحفاظ على علاقات دبلوماسية مع جيرانك، وكنت على دراية بالحقائق الاقتصادية والسياسية لكردستان العراق، سيكون من الصعب جدا عليك أن تدعو إلى استقلال الإقليم وأن تكون جادا في دعوتك.

من الممكن أن تكون كردستان العراق وصلت إلى درجة النضج السياسي الكافية للإستقلال، لكن من الناحية الاقتصادية والعسكرية، لم يصل إلى درجة الاستعداد التي تؤهله للقيام بهذه الخطوة، ورغم أن العواقب السياسية لاستقلال الإقليم الكردي عبر الزمن، كانت دائما لها وزن أكبر من العواقب الاقتصادية لكن هذه الاعتبارات لم تعد قائمة في الوقت الحالي.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك التمرد الذي قاده الأكراد ضد نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين في أوائل السبعينات من القرن الماضي. فعندما بدأت علاقات صدام حسين بالتحسن مع الاتحاد السوفياتي، بدأ ريتشارد نيكسون، رئيس الولايات المتحدة الأميركية آنذاك بتمويل وتشجيع الأكراد على الكفاح ضد صدام حسين ونيل إستقلالهم.

تلك الخطوة كانت جزء من استراتيجية اتبعها نيكسون لإضعاف نظام صدام حسين ومواجهة الاتحاد السوفياتي، ولكن ومع النجاج الذي حققه الثوار الأكراد بدا واضحا أن الكثير من الأطراف المؤيدة للأكراد لا تملك رغبة حقيقية لتكوين دولتهم المستقلة، فبعضها احتالت على الأكراد لتحقيق أهداف سياسية بحتة ثم سحبت دعمها لهم.

وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت مسألة استقلال الأكراد، على الدوام، مسألة مؤرقة للدول المحيطة بالعراق ولم تكن أي من هذه الدول راغبة بقيام مثل هذه الدولة المستقلة.

الإمكانيات التي يمتلكها الإقليم اليوم من النفط والغاز والفوائد التي يمكن أن تجنيها دول الجوار من خلال التبادل التجاري مع الإقليم، خففت من حدة موقف تلك الدول بشأن استقلال الأكراد وقد تقدم المزيد من التنازلات في مواقفها مع تطور علاقاتها التجارية مع الإقليم مستقبلا.

بغداد لها موقف واضح فيما يتعلق باستقلال كردستان العراق، فبغداد ترى في النزاعات المختلفة حول تقاسم العائدات والعقود النفطية وتصدير النفط القائمة حاليا بين بغداد وكردستان العراق ضرورية جدا بالنسبة لأجندتها المركزية.

وينبع جزء من موقف بغداد الصلب بهذا الشأن من رغبتها في ردع المناطق العراقية الأخرى ومنعها من المطالبة بقيام أقاليم مستقلة مشابهة لإقليم كردستان خاصة وأن بعضها سبق له وتقدم بمثل هذه المقترحات.

المرحلة المتقدمة التي وصل اليها اقليم كردستان العراق في صناعة النفط جعل بغداد تدرك أن خلافاتها مع كردستان العراق لن تصب في صالحها، إلا انها ما زالت مضطرة إلى إرسال رسائل ذات مغزى مركزي واضح.

وعلى سبيل المثال لو استطاعت محافظة البصرة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العراق وتمتلك المنفذ البحري العراقي الوحيد لتصدير النفط أن تحقق نفس النوع من الاستقلال الذي حققه اقليم كردستان العراق فإنها وبالنظر إلى موقعها الاستراتيجي، قد تصبح في نهاية المطاف بقوة الحكومة المركزية.

الأكراد أنفسهم يختصرون مسألة إقامة دولة كردية مستقلة من عدمها بالمسألة الاقتصادية، لكنهم تجاهلوا لا شعوريا هذه الفكرة، فإذا ما توقف تدفق عائدات النفط من بغداد وبدأ الناس يشعرون بوطأة هذا التوقف على جيوبهم وعلى مستوى معيشتهم، فأن فكرة الاستقلال لن تكون حينها سوى مجرد فكرة رومانسية.

هذا هو الواقع، كردستان العراق منطقة غير ساحلية، بل هي تعتمد على بيع مواردها الطبيعية التي تنتجها وتستورد المواد الاستهلاكية مقابل بيع هذه الموارد على الآخرين. لذلك، فإن وجود علاقات سيئة مع بعض البلدان المجاورة أو عدم قيام علاقات جيدة مع بعضها الآخر ليس خيارا واردا بالنسبة لكردستان العراق.

خلال الفترة الماضية، كان إقليم كردستان العراق بمثابة دولة داخل دولة، ولكن لم يكن يتحمل المسؤوليات التي يتوجب على الدولة تحملها، فالحكومة المركزية تتواصل في دفع نسبة الـ 17 في المئة من الميزانية الفيدرالية العراقية إلى الأكراد على الرغم من التأخر في دفع هذه النسبة في هذا العام.

معظم الميزانية الفيدرالية العراقية تعتمد على عائدات العراق من النفط، وإنتاج العراق من النفط حاليا يتم في جنوب العراق، في أماكن مثل البصرة أما النفط المنتج في الشمال فيأتي من منطقة كركوك المتنازع عليها.

إنتاج العراق من النفط آخذ في الارتفاع، ومن المتوقع أن يصل إلى أكثر من 3.4 مليون برميل يوميا بحلول نهاية هذا العام وفقا لما أعلن عنه ثامر غضبان وزير النفط العراقي السابق والذي يرأس أيضا اللجنة الاستشارية لرئيس الوزراء العراقي.

الميزانية الفدرالية تتضخم عاما بعد آخر كما هو الحال بالنسبة لحصة كردستان العراق البالغة 17%. لكن، وبسبب وجود خلافات حول السياسة النفطية، وتقاسم العائدات ورفض بغداد دفع تكاليف شركات النفط بدأ إقليم كردستان العراق بتنفيذ اجندته النفطية الخاصة به.

لكن هذا القطاع في كردستان العراق ما زال متخلفا إلى حد كبير. وبسبب هذا التخلف والخلافات التي أتينا على ذكرها، فإن الدولة لم تستطع أن تساهم كما ينبغي في توسيع صادرات النفط العراقية، وهو السبب الذي دفع العديد من السياسيين العراقيين للقول بأن الأكراد يحصلون على حصة كبيرة، و بشكل غير عادل من دخل البلاد على الرغم من أنهم لا يساهمون بنفس المقدار في انتاج هذا الدخل.

الخطوة الأكثر وضوحا التي يمكن أن يتخذها الأكراد هي ضم منطقة كركوك المتنازع عليها حيث يتم حاليا انتاج معظم النفط القادم من الشمال والاستفادة الكاملة من خط انابيب كركوك وميناء جيهان إلى ساحل تركيا المُطِّل على البحر المتوسط.

ومدينة كركوك الواقعة شمال العراق، واحدة من نقاط الصراع الحادة بين العراقيين والاكراد على مدى العقود القليلة الماضية. فخلال حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، تم تهجير السكان الأكراد من كركوك لتمكين العراقيين العرب من السيطرة على هذه المنطقة الغنية بالنفط.

كركوك ما زالت حتى اليوم تتمتع بغالبية كردية، وتدّعي حكومة كردستان العراق بأن كركوك هي جزء من أراضيها. وعلى الرغم أن المدينة، من الناحية القانونية تتبع لبغداد، إلا أنها وبحكم الأمر الواقع، تقع تحت سيطرة الحكومة الكردية.

الضم غير المرجح حدوثه لمدينة كركوك إلى الإقليم الكردي، سيتوجب على كردستان العراق على المدى القصير أن يكافح من أجل توليد دخل مساو للدخل الذي تخصصه بغداد للإقليم. فتأسيس البنية التحتية المطلوبة يتطلب وقتا وسيكون بحاجة إلى وجود موافقة من الدول المجاورة مثل تركيا.

أما العواقب الاقتصادية المترتبة على خسارة أكثر من 11 مليار دولار أمريكي، وهو المبلغ الذي يستلمه الأكراد من ميزانية العراق، فستكون مدمرة بالنسبة للإقليم والاقتصاد فيه وقد يؤدي إلى انهيار الإقتصاد برمته. ووقوع العديد من المشاكل السياسية والإجتماعية.

كردستان العراق يملك مصادر وفرص أخرى في الحصول على مصادر دخل جديدة، فخط أنابيب النفط والغاز إلى تركيا الذي ينتظر الأكراد تنفيذه، يوفر لهم خط نجاة، ولكن وعلى المدى القصير فإن الدخل الذي سيأتي من هذا المشروع لن يكون كافيا لدفع رواتب موظفي القطاع العام المتضخم أو للاستثمار في إعادة بناء البنية التحتية.

الخلاف في الرأي حول مدى قدرة كردستان العراق على إنتاج كميات من النفط تعادل قيمة مساهمة بغداد في ميزانية الإقليم لا زال قائماً، فإذا ما خرجت كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها من المعادلة فإن كمية النفط التي يمكن لكردستان العراق تصديره لا يمكن أبدا أن تصل إلى نسبة الـ (17%) من الميزانية التي يحصل عليها الأكراد في الوقت الراهن من بغداد.

وعلى الرغم من أن الكثيرين من الأكراد يتوقون إلى الإستقلال إلا أنهم سرعان ما سيغيروا وجهة نظرهم تغييرا جذريا عندما تجف المصادر المالية للدولة، وعندما يعانون من تخفيضات في الميزانية، وحين تزداد معدلات البطالة، وينخفض مستوى معيشتهم. ومهما كانت الأخطاء الأخرى التي ارتكبها الساسة الأكراد إلا أنهم جميعا يدركون الأثار المدمرة لمثل هكذا خطوة والتي من الممكن أن تفقدهم شعبيتهم.

قيام دولة كردستان العراق المستقلة لن يؤدي إلى خسارة الإقليم للأموال التي يتلقاها من ميزانية بغداد فحسب، بل سيفقدهم نفوذهم داخل البرلمان العراقي، وهم الذين يوصفون بـ "صانعي الملوك" لأن الكتلتين الكرديتين داخل البرلمان العراقي لديهما نفس عدد المقاعد تقريبا داخل البرلمان وسيصبح الأكراد دولة صغيرة محاطة بدول اكبر منها بعضها ليست صديقة للأكراد في المنطقة.

على الصعيد الدولي، سيعتمد استقلال الأكراد بشكل كبير على علاقة أكراد العراق مع تركيا. في الواقع، وخلافا للرأي السائد في كل من تركيا وكردستان العراق، فوجود دولة كردية مستقلة قد يعود بفائدة كبيرة على تركيا.

الكراهية التاريخية بين الاتراك والأكراد التي جعلت تركيا تخوض حربا ضد السكان الأكراد داخل حدودها لا تنفي أنها الدولة الوحيدة التي من الممكن أن تدعم فكرة قيام دولة كردية مستقلة لأنها ستحصل مقابل ذلك على قدر أكبر من النفوذ على كردستان العراق الذي يمكن أن يصبح مصدرا للطاقة الرخيصة لتغذية الاقتصاد التركي الذي يشهد حاليا ذروة من الإزدهار.

وإذا ما ناصر الأكراد فكرة الإستقلال وعملوا على قيام دولة كردية مستقلة في استفتاء شعبي فإن الساسة وشعبهم سيواجهون صعوبات اقتصادية وسيكونون عرضة للعزلة الإقليمية وسيفقدون نفوذهم في العراق وسيزداد اعتمادهم على حسن نوايا كل من تركيا وإيران، هذا من جانب.

من الجانب الآخر، إذا ما قرروا البقاء كجزء من العراق، فلا بد لهم أن يساعدوا في بناء البلاد بشكل جدي وأن يسهموا في إيجاد حلول للقضايا العالقة والمثيرة للجدل مثل صادرات النفط والأراضي المتنازع عليها مثل كركوك والموصل.

وإذا ما اختار الأكراد البقاء كجزء من العراق في الوقت الحاضر على الأقل، وهو الخيار الأكثر ترجيحا وعقلانية، يمكن لكردستان العراق أن تصبح لاعبا إقليميا أكثر فاعلية، وفي نهاية المطاف فإن مثل هذا الخيار سيعطي الإقليم قوة تفاوضية أكبر عندما تصبح مسألة اقامة دولة كردية – طالما تاق الى قيامها الكثير من الأكراد - حقيقة أكثر واقعية.