مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

رحلة الهرب من الجحيم تنتهي عند قامشلو

عبدالخالق دوسكي
بعدما تتجاوز مجمع دوميز (20 كلم جنوبي محافظة دهوك) يلوح في الأفق مخيم "قامشلو" الخاص بالأكراد النازحين من سوريا هرباً من الحرب والجحيم.
14.06.2012  |  دهوك

عدد كبير من الخيام ظهر على جانبي الطريق بعدما تغيّر لونها الأبيض الى البني الداكن نتيجة تساقط كميات كبيرة من الغبار عليها، أما أصوات الاطفال وهم يلعبون وسط التراب بملابسهم المتسخة ووجوههم التي لفحتها اشعة الشمس الحارقة فكانت دليلاً يقود التائه إلى المكان.

بجانب إحدى الخيم الواقعة على الطريق الرئيس كان علي (21 سنة)، وهو أحد الشباب السوريين الذين نزحوا إلى المخيم قبل اكثر من شهرين، يجلس أمام خيمة كبيرة وإلى جانبه إبريق الشاي.

أرضية الخيّمة الكبيرة التي يقطنها غطتها مجموعة من الوسائد المتراصة على الجانبين، فيما جلس عدد من الشباب بشكل عشوائي على تلك الوسائد لتبادل أطراف الحديث، لكن أصواتهم لم تتمكن من إخفاء ضوضاء الساكنين في الخيمة المجاورة.

يقول علي لـ"نقاش" إنه إتصل ببعض الأصدقاء واتفق معهم على الهرب الى إقليم كردستان للتخلص من جحيم الحرب التي يقودها النظام السوري ضد المدنيين هناك.

قصة الهرَب بدأت بالاتفاق مع سماسرة التهريب الذين تقاضوا منه 400 دولار، وهي كلفة الرحلة من مدينة القامشلي السورية (135 كلم عن الحدود العراقية) الى منطقة سحيلا (القريبة من ناحية زمار) على الحدود العراقية.

يقول علي إن "غالبية الشباب القادمين إلى إقليم كردستان هم من الرافضين للإنخراط في الخدمة العسكرية ويأتون من مدن عفرين وقامشلي وديرك وترباسبي ذات الغالبية الكردية، ثم يعبرون نهر دجلة ليلاً بالزوارق الصغيرة عن طريق المُهربين الذين يقومون بنقل بين 14-25 شخصاً في الزورق الواحد".

علي الذي عاش مغامرةً لن ينساها ليلة هروبه من الجحيم يقول إن "الجزء المخيف والمُقلق من رحلة مغادرتي لسوريا كان في الساعات الأربع التي قضيتها وأنا أجتاز خط الحدود مع المُهرب حيث اضررت إلى السير مسافة طويلة قبل وصولنا إلى ساحل النهر".

ويضيف "كنا 14 شخصا داخل زورق واحد بيننا خمس نساء، وكنا صامتين ندعو الله أن نصل بسلام الى الجانب الأخر من النهر".

الوصول إلى مخيم "قامشلو" (وهي التمسية الكردية لمدينة القامشلي) هو بداية رحلة جديدة من الإنتظار، فالمخيم الخاص بالنازحين السوريين، والذي يضم خيماً للشباب العازبين وأخرى للعائلات يمثل حلاً مؤقتا لقاطنيه.

يقول علي "انضممت بعد وصولي إلى خيمة يسكنها الشباب العزّاب فأصبحنا 24 شاباً، ننام ونأكل ونتشاجر ونلعب في المكان ذاته".

عثمان شاب آخر نزح من سوريا باتجاه المخيم وجلسَ بالقرب من علي وكان يهز رأسه موافقا على بعض ما رواه زميله، يقول "أسوأ ما في الأمر إننا نخشى النوم ليلا خوفا من أن تلدغنا أفعى أو عقرب، فنحن نقتل العشرات منها تحت الخيام يومياً".

وأثناء حديث عثمان اقترب شاب يحمل بين يديه عقربا مقطوع الذنب، "تعلمنا كيفية الإمساك بالعقارب من دون ان نقتلها فقط نقطع آخر ذنبها الذي تلدغ به "

الشباب النازحون كانوا يحلمون بفرص عمل تساعدهم على إعالة انفسهم وإرسال بعض النقود لعائلاتهم التي بقيت هناك، لكن هذا الحُلم تبدد لحظة وصولهم إلى المُخيم وتبادل الأحاديث مع اقرانهم الآخرين.

يقول أحد الشباب "مشكلة الفراغ وعدم توفر فرص العمل سببت لنا الإحباط، فالكثير منا من عوائل فقيرة ويحتاجون العمل لتأمين إحتياجاتهم وإرسال بعض النقود الى ذوينا في سوريا".

مجمع قامشلو للنازحين السوريين ينقسم الى شطرين يفصل بينهما الشارع الرئيسي المُعَبّد، وتنتشر على يمين الشارع 20 خيمة من الحجم الكبير وهي مخصصة للعُزّاب حيث يقطن 25 إلى 35 فرداً في كل خيمة.

أما الجانب الآخر من الطريق فيحوي أكثر من 350 خيمة من النوع الصغير تم رصها بشكل صفوف طويلة منتظمة وهي مخصصة للعوائل.

أراجيح الاطفال التي ازدحم عليها الصغار لقلة عددها كانت وسيلة الترفيه الوحيدة الموجودة في المكان، وهي لا تبعد سوى عشرات الأمتار عن الخيمة الكبيرة التي تم تخصيصها كمركز صحي، والذي أكد سكان المُخيم انه يستقبل المصابين بنزلات البرد والإنفلونزا فحسب.

أما الغُبار المستمر الذي يتطايّر في الهواء ويدخل إلى الخيام رغم قيام بعض النازحين برش الماء أمام خيامهم فيزيد الحياة صعوبة داخل المكان.

الأمر المُلفت في الجانب الخاص بالعائلات هو جلوس غالبيتها عند باب الخيمة التي تقطنها وتبادل الحديث مع باقي الجيران الذين لا تفصلهم عنهم سوى جدران من القماش.

أسرة عزيز عفريني التي تضم خمسة أفراد واحدة من هذه الأُسر المحظوظة التي استطاعت قبل عشرين يوما الحصول على خيمةٍ ونصبها في طرف المخيم بعد طول عناء.

يقول عفريني "بقينا نتنقل مدة 15 يوماً كضيوف على باقي العائلات التي كنا نعرفها، حتى تمكنّا أخيرا من الحصول على هذه الخيمة التي بالكاد تكفينا، وما زلنا نعاني من مشكلة عدم توفر الماء كما أن الغبار والحر الشديد يسببان لنا الكثير من الأذى".

زوجة عفريني تبدي هي الأخرى امتعاضها الشديد وأسفها على الحالة التي يعيشون فيها وتقول "لا ماء ولا أدوية كافية، أما الحمامات والمرافق الصحية فهي مشتركة بين العائلات".

قصة مخيم اللاجئين السوريين بدأت حينما نَزَح أكراد سوريا إلى محافظة دهوك عام 2004 على خلفية أحداث ما يعرف بـ"انتفاضة القامشلي"، التي قام بها أكراد سوريا ضد نظام الأسد. وكان عدد اللاجئين حينذاك لا يتجاوز (100) عائلة بحسب نسيم نور الدين ممثل الرابطة الكندية الكردية لحقوق الأنسان.

لكن احداث سوريا التي بدأت في آذار (مارس) العام الماضي أدت إلى نزوح عدد أكبر إلى المكان الذي يقطنه اليوم 5000 نازح بحسب الإحصائيات الرسمية لدائرة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك.

ويقول نور الدين لـ "نقاش" إن "النازحين القدماء ما زالوا يعانون من مشكلة عدم حصولهم على حق اللجوء السياسي، ورغم إن حكومة الأقليم قامت ببناء 88 منزلا لهم بالقرب من مجمع دوميز إلا ان البقية ما زالوا متواجدين في مخيم مُقبلي قرب قضاء سميل (20 كلم غربي دهوك)".

لاوكي هاجي أحد النازحين السوريين الذين غادروا إلى إقليم كردستان في أعقاب "انتفاضة القامشلي" أقدم لاحقا على تشكيل جمعية خاصة حملت تسمية "جمعية قامشلو لمساعدة الكرد السوريين".

يقول هاجي لـ "نقاش" إن هناك 500 شاب و300 عائلة داخل المخيم بحسب إحصائية جمعيته، وأن هناك أكثر من 2000 شاب آخرين موزعون في أقضية ونواحي محافظة دهوك.

الأرقام المذكورة تبدو قريبة من الإحصائيات التي أعلنتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة التي أكدت أن عدد النازحين السوريين الى محافظة دهوك بعد الثورة السورية وصل الى أكثر من أربعة آلاف نازح لغاية نهاية شهر ايار (مايو) 2012.

هاجي أكد ان الظروف السيئة التي يعيشها النازحون في مخيم قامشلو دفعت بعض الشباب النازحين إلى العودة لسوريا وقال "عاد 300 شاب في الأسابيع الماضية إلى سوريا لعدم تمكنهم من تحمُّل الظروف القاسية والمأساوية التي يعيشها النازحون هنا".

المعلومات التي حصلت عليها "نقاش" من داخل المخيم وبعض النازحين القُدامي أشارت إلى ان غالبية العائدين هم من الشباب الذين تعرضوا لصدمة نفسية بعد وصولهم المُخيم وتبدد الكثير من أحلامهم في الحصول على فرص عمل ومساكن ملائمة.

ابو كانيوار وهو كاتب سوري و من النازحين السورين القدماء أكد "استغلال بعض أرباب العمل للشباب النازحين لأنهم لا يحملون أوراقا رسمية مثل باقي المواطنين الأكراد في العراق، وكان بعض هؤلاء لا يدفع مابذمته من إجور للعمال ماأجبّر بعضهم على العودة إلى بلادهم".

محمد عبدالله مدير دائرة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك اكد لـ"نقاش" الإحصائيات السابقة وقال إن عدد النازحين وصل إلى 5000 شخص توزعوا بين 344 أسرة و3500 شاب وفدوا بمفردهم.

وقال إن هؤلاء النازحين غير مُلزمين بالبقاء داخل المخيم وانما يمتلكون الحرية في التنقل داخل محافظة دهوك كما انهم يستطيعون مزاولة أي عمل لكسب الرزق.

لكن هاجي قال إن الشباب "لا يستطيعون تجاوز حدود المدينة والعبور إلى باقي مدن الإقليم للبحث عن فرص العمل لعدم امتلاكهم اية مستمسكات رسمية يمكن أن تسمح لهم بحرية الحركة، وأن هذا الأمر يجعلهم يتجولون في محافظة دهوك فحسب" .

أحلام اللاجئين السوريين النازحين إلى الإقليم بالحصول على فرصة لحياة أفضل وفرص عمل تعينهم على الواقع الذي يعيشونه غالباً ماتنتهي عند خيمة صغيرة في مجمع قامشلو للنازحين وتدفع الكثيرين منهم إلى العودة لجحيم الوطن.