مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

قانون الخدمة الإلزامية نهاية سلطة المحاصصة

وحيد غانم
الحديث عن طرح قانون التجنيد الإلزامي على البرلمان العراقي قريبا أيقظ ذكريات كريم حسن الأليمة عن الحروب التي شارك فيها وسنوات الشباب الضائع على جبهات القتال في الحرب العراقية الإيرانية طيلة ثمانينات القرن الماضي.
31.05.2012  |  البصرة

كريم الذي التحق بالخدمة الإلزامية في عام 1978 والذي كان من المقرر ان يترك الجيش بعد مرور ثلاث سنوات لم يغادر الزي العسكري حتى عام 1989 بعد انتهاء الحرب بين العراق وإيران بشهور عدة.

حسن شخص آخر من مواليد 1959، وهو يتذكر سنوات الخدمة الإلزامية في الجيش بنوع من الألم ويقول "لم يبق الجيش من أصدقائي إلا بضعة أشخاص محطمين، كنت في الثامنة عشرة وأعمل صانع لدى أحد النجارين حينما طالبتني الحكومة آنذاك بالإلتحاق بالخدمة العسكرية، وعملت لسنوات في الجيش حيث كانوا يعتبرون الهاربين من تأدية الخدمة جبناء وخونة ويقومون بإعدامهم".

تجربة حسن القاسية جعلته يرى أن العودة إلى تطبيق قانون الخدمة الإلزامية في الجيش سيحطم الأجيال الحالية مثلما حطم الأجيال السابقة.

الناشط السياسي المحامي طارق الإبريسم أحد المعارضين لإعادة العمل بالقانون قال لـ"نقاش" إن "الفضيلة الوحيدة من الخدمة الإلزامية هم محو الفوارق بين أبناء الشعب، أما الروح الوطنية فيمكن استنهاضها بأساليب أخرى وبجيش نخبوي، فبناء الجيوش الحديثة لا يتم على أساس كمي بل نوعي ومحترف".

الإبريسم يؤكد أن نسبة الأمية في العراق عالية جداً، ما يعني أن تطبيق القانون سيؤول إلى إغراق الجيش بأُناس أُميين، في حين أن الجيوش الحديثة في العالم يتم رفدها بعناصر من الخريجين للعمل على منظومات دفاعية متطورة.

ويضيف "لا أعرف ما الجدوى من تدريب شخص أمي على استخدام الكلاشنكوف".

تأسيس الجيش العراقي يعود إلى عهد الملك فيصل الأول الذي تولى العرش في العراق عام 1921، وهو أول ملك للدولة العراقية الحديثة بعد إنتهاء حكم العثمانيين للعراق، وتم في حينها تشكل أول فوج للجيش العراقي من عسكريين سابقين كانوا يعملون في الجيش العثماني بالإعتماد على التطوع حمَل تسمية "فوج موسى الكاظم" ولم يتم تطبيق قانون الخدمة الإلزامية إلا في عام 1935 حيث صدر مرسوم ملكي بذلك.

واستمرت الحكومات اللاحقة بتطبيق القانون مع إجراء بعض التعديلات عليه حتى عام 2003. وحدد القانون في عهد نظام صدام حسين مدة الخدمة الإلزامية طبقا لنسبة التعليم التي يحصل عليها الأشخاص، فالشباب الذين يملكون شهادة الثانوية فما دون يقضون ثلاث سنوات في الخدمة الإلزامية، أما خريجي الجامعات فتقلصت المدة التي يقضونها في الخدمة إلى عام ونصف، فيما يدخل اصحاب الشهادات العليا من الماجستير والدكتوراه الجيش لستة أشهر فحسب.

وتؤكد مصادر التأريخ العراقي الحديث انه وبعد فرض الخدمة الإلزامية بدأ الجيش يقود الإنقلابات العسكرية في البلاد وكان أولها إنقلاب بكر صدقي عام 1936 ثم حركة الضباط الأحرار عام 1941 تلاه إنقلاب الجيش على الملكية وتشكيل أول جمهورية عراقية عام 1958.

الإنقلاب الأخير الذي نفذه العقيد العسكري عبد الكريم قاسم رئيس أول جمهورية عراقية والذي يلقبه العراقيون بـ"الزعيم" أدخل العسكر إلى ميدان السياسة، وباتوا يلعبون دوراً حاسماً في السياسة العراقية، وأخذت اعداد المقاتلين في الجيش تزداد بإزدياد عدد السكان في العراق حتى وصل إلى مليون مقاتل قبل سقوط نظام صدام حسين.

وبعد دخول القوات الأميركية إلى العراق عام 2003 أَقدَم الحاكم المدني الأميركي في العراق بول بريمر على حل الجيش العراقي ووزارة الدفاع وأصبح قانون التجنيد الإلزامي لاغياً بعد هذا التأريخ.

الدعوة لإعادة العمل بقانون التجنيد الإلزامي تواجه صعوبات عدة اليوم، فالقرار سيقضي على حصص الأحزاب في وزارة الدفاع وسيكون القانون ساريا على جميع الشباب العرقيين وهو ما يجعله يواجه معارضة لا يُستهان بها من قبل بعض الكتل الداخلة في العملية السياسية.

كما أن تأييد عودة القانون من عدمه ترتبط بوجهات نظر مختلفة، فالمؤيدين للتجنيد الإلزامي يرون انه فرصة ذهبية للشباب للحصول على فرصة عمل تمتد ثلاثة اعوام أو شهورا بحسب التحصيل العلمي، سيما وأن الرواتب التي يتقاضاها الجنود اليوم جذبت الكثيرين من الخريجين. ويرى هؤلاء ان الجيش اليوم لايخوض حروبا ولا يتواجد في مناطق حدودية خطرة كالسابق، بل ينتظم في نقاط التفتيش داخل الشوارع وفي معسكرات داخل المدن وهي نقطة إيجابية بحسب وجهة نظرهم.

أما المعارضون فيرون أن تجارب العقود الماضية الأليمة والحروب التي خاضها العراق بجيشه والأوضاع التي كان يعاني منها الجندي في ذلك الوقت رسمت صوراً سيئة عن عسكرة الشارع العراقي، وأن هذه الصورة يتوجب أن تنتهي في العراق الديموقراطي الجديد وأن يكون الإنضمام إلى الجيش طوعيا وليس قسراً.

المحلل العسكري ماجد الساري يرى ان إعادة العمل بقانون الخدمة الإلزامية يمثل فرصة للخروج من تراكمات مرحلة بريمر السيئة ويقول "دفعت سياسات بريمر إلى تكوين فرق جيش كردية وأخرى شيعية وثالثة سنية، وتم زج المؤسسة العسكرية العراقية في لعبة المحاصصة".

الساري يؤكد أن الخدمة في القانون الجديد سيتراوح بين ستة أشهر وسنة واحدة ، ويضيف "لن يتم استدعاء المواليد الإحتياط إلا في الحالات الطارئة، وستكون هناك استثناءات للكفاءات والخريجين والطامحين للعمل وحتى ربما يكون هناك عرض لمن لا يريد الخدمة في الجيش".

عبارة الساري الأخيرة أعادت إلى الأذهان قصة "دفع البدل المالي" وهو العرض البديل للشباب الذين لم يكونوا يرغبون بالإلتحاق في الخدمة العسكرية الإلزامية، فالشاب الذي لا يرغب بأداء الخدمة العسكرية كان يدفع مبلغا مالياً محدداً مقابل إعفاءه من الخدمة، لكن هذا الحل كان يقتصر على الأغنياء فحسب، لأن قيمة البدل كانت عالية جداً قياسا بالوضع المعاشي للعراقيين آنذاك.

يحيى (أبو زكي) أحد الضباط المتقاعدين من الجيش يشعر بأن "مشروع القانون الحالي وُلدَ ميتاً"، ويبرر رأيه بجملة أسباب أهمها كما يقول هو أن "الدولة لا تسيطر على المسؤولين في الإدارات بشكل عام وإدارات الجيش بشكل خاص بعدما أصبح الفساد رسمياً ويجري بطرق محكمة وأحيانا قانونية".

ويضيف "الوضع التنظيمي في المؤسسة العسكرية بات شبه منهار، وهناك تمرد من العسكريين على تنفيذ الأوامر، فضلاً عن آلاف الجنود والشرطة الذين يدفعون نصف رواتبهم لقادتهم مقابل عدم الإنتظام في الدوام، كما أن هناك ضباطاً لا يملكون غير شهادة الإعدادية، و سحب أعداد كبيرة من الجنود المكلفين سيفتح باباً جديدة للفساد".

علي الحرباوي مسؤول العلاقات السياسية في المجلس الأعلى الإسلامي يرى بأن القانون يمثل "فرصة للتخلص من الضباط الفاسدين والرتب المحسوبة على النظام السابق من خلال بناء قيادات جديدة من الكوادر الشابة، فضلا عن أن توزيع المجندين بين محافظات ومناطق العراق سيقوي الروابط الإجتماعية".

ومع عدم قناعته بجدوى المشروع إلا أن عباس الجوراني عضو اللجنة المحلية للحزب الشيوعي يرى بأن تطبيق القانون قد يكون مفيداً على المدى المستقبلي ويقول "بعد عشر سنوات أو أكثر ربما تستقر البلاد وتتجه للتنمية والأعمار، حينها لا أحد سيرغب بالتطوع في الجيش، وسيصبح التوجه نحو الخدمة الإلزامية مطلوباً".

وبعيداً عن آليات تنفيذ المشروع ومواقف الكتل السياسية منه فأن نشر مشروع القانون على الصفحة الأولى لصحيفة الصباح الرسمية طرح شكوكاً لدى الأكراد الذين يتخوفون من عودة تضخم المؤسسة العسكرية وتسليحها بسبب الإرث الدموي لعلاقتهم مع الحكومات المركزية السابقة في بغداد ودور الجيش القمعي فيها.

الإعلامي الكردي بدرخان حسن لا يعتقد أن بغداد جادة في سعيها لإعادة الخدمة الإلزامية، ويقول "حكومة المالكي تلوح بالعصا ضد الكرد نتيجة الخلافات بين الطرفين، وبعض أعضاء لجنة الأمن والدفاع في البرلمان أكدوا أن القانون لم يصل الى البرلمان رغم إثارة الحكومة للموضوع".

بدرخان يؤكد أن الأكراد يعتبرون أنفسهم مؤسسي النواة الأولى للجيش العراقي بعد عام 2003، ويهمهم تطوير المؤسسة العسكرية لحماية سيادة العراق وأن يكون الجيش لكل العراقيين.

ويضيف "من الأفضل الحفاظ على التوازن داخل المؤسسة العسكرية، بدلاً من إعادة قانون إلزامية الخدمة إليها، وأن يتم استقطاب المئات من الشباب الذين يقفون في طوابير طويلة أمام مراكز التسجيل للتطوع وكثيراً ما يكونون ضحايا لعمليات الإرهاب".

القانون الذي لا زالت الشكوك تحوم حول إمكانية تطبيقه يحتاج إلى اياماً طويلة من الجدال السياسي عند دخوله البرلمان قبل التصويت عليه، وقد ينتهي به الحال الى الترحيل للبرلمان المقبل مثل الكثير من القوانين الأخرى.