مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

الدعاية الانتخابية تبدأ من القبور

خلود رمزي
أخذت الدعاية الانتخابية التي انطلقت من الشوارع في مدن العراق طابعا مختلفا في المدن المقدسة كالنجف وكربلاء، اذ لم تنطلق هناك بين الاحياء بل ظهرت بين القبور وتخللت العالم الفاصل بين الاحياء والاموات.
27.01.2010  |  النجف

وفي وقت كان فيه نواح النساء يرتفع أمام قبور الأحبة والاقرباء، وزع مجموعة من الشباب بطاقات دعاية خاصة بالمرشحين للانتخابات النيابية المقبلة، وارفقوا مع الحلوى المهداة الى ارواح الموتى صور المرشحين وارقام كياناتهم السياسية.

وقبل ايام قليلة من انطلاق الحملات الانتخابية في العراق بشكل رسمي، بدأت الاحزاب والائتلافات السياسية بالترويج لنفسها مبكرا مستثمرة الزحام الشديد الذي تشهده القبور في مدن كربلاء (105 كم جنوب غرب بغداد) والنجف (180 كم جنوب غرب بغداد) اثناء شهر محرم (وهو أول شهور السنة الهجرية وأحد الأشهر الحُرُم المقدسة لدى المسلمين)، لا سيما في يومي الخميس والجمعة في نهاية كل اسبوع.

فمقبرة وادي السلام في النجف التي يعود تاريخها الى أكثر من 1400 عام تقريبا، اصبحت ساحة للدعاية الانتخابية في ضوء كونها ثاني أكبر مقبرة في العالم من حيث الحجم، فمنذ أكثر من ألف سنة والشيعة ينقلون جثث موتاهم من شتى بلدان العالم كإيران والهند والباكستان وأفغانستان والكويت ولبنان وغيرها إلى هذه المقبرة لقدسيتها، سيما مع انتشار قصص دينية تؤكد إنها بقعة من بقاع جنة عدن.

واستنكر حميد عبد الستار (36 عاما) وهو أحد المهتمين بتاريخ المقبرة ما تقوم به الاحزاب في استغلال زيارات الموتى للدعاية الانتخابية، وأكد انهم بذلك يواصلون تقليدا سارت عليه القوى الاستعمارية التي احتلت العراق والانظمة الدكتاتورية التي حكمته.

ويكشف عبدالستار ان هذه المقبرة التي توسعت خلال اكثر من الف عام بشكل كبير لتضم ملايين القبور، رغم سقوط الأنظمة وتغير الحكام، قد استغلت باشكال مختلفة على مر الزمن. اذ استغلت الدهاليز والمخابئ السرية في المقبرة في إخفاء الأسلحة والإعداد للثورات في عهد الاحتلال البريطاني للعراق. ودمر نظام صدام، أثناء انتفاضة عام 1991، سراديبها خوفا من ان تصبح معقلا للثوار. فيما تعرضت المقبرة للقصف الاميركي أثناء المواجهات المسلحة التي دارت في مدينة النجف الأشرف في العام 2004 بين قوات الائتلاف وجيش المهدي الذي لاذ مقاتلوه بالمقابر.

لذا يرى عبد الستار ان استغلال المقبرة للدعاية الانتخابية، من جديد، هو "انتهاك لحرمة الموتى وخصوصية الناس الذين يزورون الاحباء والاقرباء في الأيام الدينية المقدسة".

كما انتشر عند مداخل مقبرة الوادي الجديد في كربلاء مجموعة من الشباب وهم يحملون بطاقات دعاية انتخابية تحمل اسماء المرشحين وصورهم وارقامهم التسلسلية في القوائم وتسابقوا لتوزيعها على الاهالي الداخلين الى المكان لزيارة قبور ذويهم، فيما أقدم أخرون على توزيع الحلوى على أرواح الموتى لأهالي الفقيد أملا في ضمان تصويتهم لصالح المرشح.

ويقول الدفان جواد الكعبي احد اقدم الدفانين في المقبرة لـ"نقاش"، ان المرشحين لانتخابات مجالس المحافظات في العام الماضي اتبعوا الأسلوب ذاته، اذ استثمروا توقيت انطلاق الدعاية الانتخابية اثناء ايام عيد الاضحى (أحد العيدين المقدسين لدى المسلمين فضلا عن عيد الفطر)، وقاموا بالترويج لقوائمهم في القبور التي غالبا ماتستقطب الناس من مختلف المدن العراقية، حيث يقومون بزيارة الموتى في ايام العيد كجزء من التقاليد السائدة.

ويؤكد الكعبي ان فكرة استخدام المقابر في الترويج للقوائم الانتخابية تبدو "اكثر نفعا" للمرشحين من الترويج في أماكن اخرى، اذ تصل اعداد زوار القبور الى مئات الآلاف في ايام المناسبات الدينية وفي يومي الخميس والجمعة، الامر الذي "يسهل التأثير على جمهور غفير من الناخبين سيما وان مرتادي القبور هم من مختلف المحافظات العراقية".

ولا تقتصر الدعاية الانتخابية في المقابر على توزيع البطاقات الانتخابية والصور والحلوى، اذ استخدم المرشحون عربات التنقل داخل المقبرة (الستوتة) في الترويج لانفسهم، وهي عبارة عن دراجات نارية بخارية محورة ذات ثلاثة دواليب "عجلات" تستخدم لنقل الاشخاص، وهي الان اصبحت عربة دعاية متنقلة بعد تعليق صور المرشحين عليها، ومع اطلاق صافراتها ذهابا وايابا اثناء نقل الزوار داخل المقبرة، يتم لفت انتباه المارة الى صور المرشحين وارقام كياناتهم السياسية.

اسماعيل حسين صاحب احدى العربات يقول ان المرشحين يقومون باستئجار عربات الستّوتة ذات العجلات الثلاث لتعليق صورهم عليها طوال مدة الدعاية الانتخابية، اثناء عملها داخل القبور او خارجها لشد انتباه المارة. كما كشف ان اصحاب العربات يتقاضون مبالغ "بين 100-150 الف دينار عراقي (ما يعادل نحو 85- 127 دولار اميركي) شهريا عن تعليق تلك الصور".

ويؤكد ان غالبية اصحاب مركبات الستوتة يستثمرون مركباتهم بهذه الطريقة اثناء الدعايات الانتخابية، ويضيف "في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت مطلع العام الماضي، تنصلت بعض الاحزاب عن تسديد نقودنا، الامر الذي دفعنا الى المطالبة باجورنا مقدما هذا العام".

وبرغم الانتشار الكبير للمروجين للانتخابات ومرشحيها داخل المقابر، الا ان الكثيرين منهم يدركون ان دفع الناس لاختيار المرشح لا ينجح دائما، اذ يكتفي الأهالي أحيانا كثيرة بإيماءة من رؤوسهم لإقناع المروج باختيار مرشحه المقصود للتخلص من الحاحه الذي يشغلهم عن اداء طقوس توزيع الطعام على ارواح الموتى وزيارة قبور الاقرباء.

وتقول احدى السيدات المسنات التي قدمت لزيارة قبر زوجها "نحن نعد بانتخاب المرشح امام كل من يقوم بتوزيع الصور والملصقات، ثم نقوم برميها بعد مغادرتنا المقبرة".

وتضيف "لا اعلم لماذا يسمحون لهم بدخول المقبرة، فنحن هنا لزيارة قبور اهلنا، وليس لاختيار المرشحين للانتخابات".

ورغم نفور الكثير من زوار القبور من ظاهرة استغلال المقابر للدعاية الانتخابية، الا ان بعض الاهالي يتعاملون مع الظاهرة بمرونة اكبر، اذ يقومون باستلام الصور والملصقات ويحملونها معهم الى منازلهم للاطلاع عليها لاحقا.

(Photo by Faris Harram / Niqash.org)