مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

هل هذا هو دور وزارة الداخلية؟

فارس حرّام
أعادت قضايا الفساد التي تم الكشف…
23.07.2008  |  النجف

فقد نشرت صحف عراقية محلية أبرزها جريدة الصباح، في الأسبوع الفائت، نقلاً عن مصادر وصفتها بالـ"مطلعة"، أنباءً عن تورط مسؤولين في وزارة الداخلية بتوفير غطاء حركي لـ"تخلص" أحد كبار المتهمين بقضايا الفساد المالي والإداري "عدنان الكاظمي"، نائب رئيس هيئة الهلال الأحمر، من عملية إلقاء القبض عليه، قرب مقر الهيئة في المنصور ببغداد؛ على خلفية قرار قضائي. قبل أن يعود الكاظمي و"يسلم نفسه" إلى أحد مراكز الشرطة.

مذكرة التوقيف الصادرة بحق نائب رئيس هيئة الهلال الأحمر (والمستشار الإعلامي لرئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري)، لم تكن الأولى من نوعها في قضية الفساد والاختلاس تلك، فقد سبقتها مذكرة توقيف أخرى صادرة عن محكمة التحقيق المركزية في بغداد الكرخ في(7/7/2008)، بحق رئيس الهيئة الدكتور سعيد إسماعيل حقي، لكن حقي استخدم جواز سفره الأميركي، ليستفل طائرته مغادراً البلاد، تحت سمع وبصر الأجهزة التنفيذية التي أحجمت عن تنفيذ أمر القضاء في القبض عليه، الأمر الذي أثار مخاوف لدى الرأي العام والإعلام العراقي من تساهل الأجهزة الأمنية في التعامل مع المسؤولين المتهمين بالاختلاس المالي.

لكن تصرف الأجهزة الأمنية مع نائب رئيس الهيئة جاء ليعمق من حدة هذه المخاوف، فقد ذكرت مصادر من داخل الهيئة إن نائب الرئيس، جاء إلى مقر الهلال الأحمر بعد إصدار الأمر القضائي بحقه، "ومعه نحو أربعين عنصرا من حمايته تقلهم ثماني عجلات رباعية الدفع، جميعهم مدججون بالسلاح، وقاموا بمصادرة أجهزة الحاسوب وموبايلات الموظفين".. وأضافت المصادر "إن العملية تمت بمساعدة ضابط أمن الهيئة الذي ادعى انه ضابط في وزارة الداخلية برتبة رائد، إضافة إلى مدير الدائرة القانونية في الهيئة".

مفارز من الشرطة والاستخبارات التي كانت بانتظار خروج الكاظمي، لتنفيذ أمر القبض بحقه، أوقفت موكبه وقامت بتجريد أفراد حمايته من العتاد، إلا أن الكاظمي ومدير الدائرة القانونية اتصلا على الفور بأحد المسؤولين في الداخلية، وهو الوكيل الأقدم في الوزارة عدنان الأسدي، الذي أمر ضباط المفرزة بعدم اعتقاله والتريث في تنفيذ الأمر.

كانت هذه الأحداث قد جاءت في وقتٍ أصدرت فيه وزارة الداخلية بياناً صحفياً، في (16/7/2008)، أشارت فيه إلى نتائج استطلاع الوزارة للرأي العام العراقي، حول عمل الوزارة. وأظهرت بعض نتائج الاستطلاع، الذي نظمته الوزارة مع مركز الشرق لاستطلاعات الرأي، ونشرته في الموقع الالكتروني للوزارة: أن غالبية المشاركين في الاستطلاع كانوا واثقين من تحسن صورة الشرطة العراقية في أذهان المواطنين.

وبغض النظر عن مدى دقة الاستطلاع المنشور، إلا أن المتوقع أن قضية الهلال الأحمر العراقي ستؤثر كثيراً على الثقة بأجهزة وزارة الداخلية، في حال لم تتحمل الحكومة مسؤوليتها، وتشرع بفتح عدد من الأبواب "الحصينة" داخل مبنى الوزارة، بحيث لا يستثني التحرك مكاتب مسؤولين رفيعي المستوى فيها، إن لزم الأمر.

فكيف يمكن مثلاً أن نقرأ عبارات الوكيل الأقدم للوزارة، وهو يصف أمره بمنع إلقاء القبض على الكاظمي بأنه "تريّث في تنفيذ الأمر"؟

إصدار أمر يخالف أوامر القضاء هو بالتأكيد ليس من صلاحيات الوكيل الأقدم للوزارة، ولا من صلاحيات السيد وزير الداخلية نفسه، واللافت في قضية الكاظمي إن هذا "التريث"، سمح له بتحقيق مكسبين: الأول هو حصوله على "أفضلية" قانونية، إذ إن وضعه قد تغير من "ملقىً القبض عليه" إلى "مسلّمٍ نفسَه في أحد مراكز الشرطة"، وهو تغيير في صالح قضيته من دون شك، وإن يتعذر علينا تقدير هذه الأفضلية، لكونها من اختصاص المحكمة التي ستنظر في أمره. أما الأمر الآخر وهو ما يعنينا هنا، أن الكاظمي دخل إلى مقر الهلال الأحمر بهدف مصادرة أي وثيقة قد تستخدم ضده وهو ما فعله حسبما صرح موظفون من الهيئة. لكن وزارة الداخلية لم تفصح لاحقا عن مصير تلك "الوثائق" التي سيطر عليها الكاظمي.. هل بقيت عنده بعد "التريث" الذي أمرت به وزارة الداخلية، أم أنها صودرت؟

هذه المسألة لا تشغل بال الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية عدنان الأسدي، بقد ما يشغل باله تبرير تسهيله لهروب متهمين في قضية اختلاس بملايين الدولارات. فقد صرح الأسدي أخيرا أن المتهم "كان في طريقه إلى المحكمة للإدلاء بإفادته عندما أوقفته مفارز الشرطة المكلفة بتنفيذ أمر القبض". وهو قول يثير الأسف الشديد لا شك، فضلاً عن انه يوجه إهانة مؤلمة لذكاء المواطن العراقي العادي. كيف يمكن –مثلاً- أن يتم التعامل مع "متهم" بعد صدور أمر قضائي باستقدامه للمحكمة بالأمر إلى المفرزة القابضة عليه بأن تخلي سبيله ليذهب "هو بنفسه" إلى الشرطة؟ وإذا كان هذا "المتهم" مواطناً عادياً هل سيجري الأمر معه بالطريقة نفسها؟

إننا لا نريد بهذا أن نغمز من نزاهة وكيل وزارة الداخلية، إذ ليس لنا مصلحة في هذا، من قريب أو من بعيد، إلا أننا نريد من مسؤولي بلادنا أن يخاطبونا بمنطق "مقنع" في الحد الأدنى، ويوضحوا لنا بالضبط لماذا تُكال الأمور بأكثر من معيار حين يتعلق الأمر بإلقاء القبض على شخصيات ذات نفوذ، كشخصية عدنان الكاظمي. ولماذا يقدم مسؤولون في الداخلية على تغطية هروب رجل متهم باختلاس أموال عامة، علاوة عن تسهيل تهريب متهم أعلى منه رتبة وعبوره بوابة المطار بجواز سفره الأمريكي.

وزارة الداخلية لم تبرئ ساحتها بعد من الاختراقات الأمنية الكبرى التي تعرضت لها في السنوات الخمس الأخيرة، وبلغت ذروتها عام 2006، في عمليات الخطف الجماعي، والاغتيال المنظم، والسرقات الكبرى، التي قامت بها مجاميع كانت ترتدي الزيَّ الرسمي لرجال الشرطة العراقية. ومن شأن توضيحات من وزارة الداخلية مع اعتراف بالأخطاء الحاصلة ومحاسبة المسؤولين عنها، أن يزيد من ثقة المواطن العراقي بالأجهزة الأمنية أكثر من أي استطلاع للرأي تنشره الوزارة على موقعها الالكتروني.

أريد أن أتمنى فعلا، تحت شمس القانون، وإخلاص منفذيه، أن يثبت الكاظمي براءته، وأن يكون بريئاً، وأن لا تثبت تهمة فساد واحدة في هيئة الهلال الأحمر العراقي، ولهذا التمني سببان: الأول إنني أعجز عن تصور حدوث فساد في أعلى المستويات في منظمة يُفترض أن تقوم بدور "ملائكي" في حياة المواطن المنسحقة؛ والثاني إنني اعجز –إن صدقت التهم حقاً- عن تصوّر مقدار الانهيار الأخلاقي الذي وصلت إليه مؤسساتنا الحكومية.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.