مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

قصة العشائر في

محمد عبدالله
ما أن حط الغروب وارتفع رنين هاون…
7.07.2008  |  اللطيفية

الطريق التي تفصل ناحية اللطيفية (35 كم جنوب بغداد) الى حيّين، أحدهما للسنة والآخر للشيعة، بدأت تخلو من المركبات مع حلول الظلام واقتراب موعد حظر التجوال. وبدت خطى سكان الناحية في تسارع وهم يقصدون بيوتهم، بينما يستقبل مضيف الشيخ الكبير، المزيد من وجهاء العشيرة وأبنائها، سيقضون بقية ليلتهم في شرب القهوة والاستماع إلى قصص الغزوات وقصائد الشعر الشعبي .

وإلى جانب أبناء العشائر، ينتشر عشرات من رجال الأمن في سيطرات أمنية لا تبعد عن بعضها سوى 50 مترا بغرض تأمين الطريق الرئيسي الذي يشقّ ما كان يعرف سابقا بـ "مثلث الموت". لم تكن تسمية "مثلث الموت" التي اطلقتها الصحافة على المناطق الواقعة الى جنوب العاصمة بغداد (المحمودية واللطيفية واليوسفية) تنطوي على قدر من المبالغة، مع تمكن القاعدة قبل أربع سنوات من إقناع العشائر بالتحالف معها، وتحويل تلك المناطق- وأكثرها اللطيفية- إلى مسرح لأفظع أعمال العنف دموية.

حتى وقت قريب كانت اللطيفية (150 الف نسمة من السنة والشيعة) محظورة على غير السنة باعتبارها معقل تنظيم "جيش أنصار السنة" و تنظيم "الجيش الإسلامي"، وهما فصيلين مسلحين ولدا من رحم القاعدة، وتحالفا في اللطيفية مع عشيرتي الجنابي والجبور، العشيرتين السنيتين الكبيرتين، الأكثر ولاءا للرئيس العراقي الراحل. أدى هذا التحالف إلى ارتفاع حدة عمليات التصفية والتهجير لأبناء الأقلية الشيعية المنتشرة في أحياء اللطيفية وإلى خلو المدينة شيئا فشيئا من الشيعة.

يسجل سكان ناحية اللطيفية للشيخ أحمد الجنابي موقفا بطوليا في العام 2006 عندما طالب التنظيمات التابعة للقاعدة بالخروج من اللطيفية مهددا بإعلان الحرب عليها. "كان ذلك بعد أن وجد شيوخ العشائر أن القاعدة حولت منطقتهم إلى ولاية طالبانية، وأفقدتهم مكانتهم وأصبحوا يخضعون لأوامر وتعليمات أبسط المقاتلين العرب"، يقول الشيخ الجنابي في حديثه لـ "نقاش" ويضيف: " فتحنا لهم بيوتنا وقدمنا لهم واجب الضيف والرعاية ومنا من ارتبط معهم بنسب ولكنهم فرضوا علينا قوانينهم واصبحوا يقتلون كل من يخرج عن رأيهم حتى من أبناء السنة".

رجال البادية يفهمون الدين على نحو بسيط، ويحتكمون في خلافاتهم إلى القانون العشائري الذي توارثوه عن آباهم، ويقضي بينهم شيخ العشيرة الذي يرضى الجميع بحكمه. في حين بدأوا مع سيطرة القاعدة يشهدون تفسيرات سلفية للدين لم يسمعوا بها من قبل، طالت مختلف نواحي حياتهم بما فيها المأكل والملبس. أحد وجهاء الناحية ويدعى سلمان الجعار يجلس في مضيف الشيخ أحمد، يقول لـ "نقاش": " كنا نطيعهم طاعة عمياء كونهم جاؤوا لقتال المحتل ونصرة الإسلام لكنهم بدأوا يشرعون قوانين تختلف مع تقاليدنا فمنعوا خروج المرأة بدون تغطية الوجه وفرضوا على النساء ارتداء الألوان السوداء، وكانوا يجلدون النساء في حال ضبطهن يرتدين أثوابا ملونة.. قتلوا الحلاقين واحرقوا المنازل التي تقتني الصحون اللاقطة وكانوا يجمعون الاطفال والشباب والنساء وكبار السن لرؤية تنفيذ أحكام الذبح بحق أخوتنا من الشيعة".

الجعار يروي مشاهد أخرى تبدو غير قابلة للتصديق، لكن الحضور في مجلس الشيخ يهزون رؤوسهم مؤكدين بينما هو يحدّث: " طلبوا من الرعاة تغطية أعضاء الماعز الجنسية بقطع من القماش، وأعلنوا تحريم السلطة كونها تخلط بين الخيار الذي يعتبرونه ذكرا والطماطم التي يعتبرونها أنثى، وأتوا بأشياء ما انزل الله بها من سلطان " .

الشيخ زاهر الكعبي او (أبو فاروق)، شيعي تمكن من البقاء في اللطيفية وسط القاعدة بسبب علاقات القربى التي تربطه بعشيرة سنية كبيرة. الكعبي قال لـ "نقاش": "بقيت ساكنا في حي التراث الذي كان يعتبر مركز قيادة تنظيم القاعدة في اللطيفية آنذاك بفضل نسبائي من عشيرة الجبور الذين قالوا للقاعدة بأني سنّي حفاظا على حياتي، ولكني اسوة بالباقين منعت من مغادرة الحي أو من الاقتراب من البيوت التي يقيم فيها أمراء التنظيم". وعن المشاهد التي خبرها في تلك الفترة يضيف الكعبي: "عـّينت القاعدة عبد المعين المصري واليا على الناحية بعد أن ذبح 20 شيعيا، وأصبح بعد ذلك إماما لصلاة الجمعة ورجل مرهوب الجانب. لاحقا، وبعد زواجه من فتاة عراقية سنية تبين انه غير مختون. وما أن انتشر الخبر حتى سارع عناصر من القاعدة إلى إخراجه من منزله وقتله بصورة شنيعة".

ويزيد: " كان بعض وجهاء الناحية يزورني في البيت للتعبير عن رفضه وامتعاضه وبرائته مما يقومون به من اعمال قتل وخطف ضد المدنيين وللتداول بشان العودة عن دعمهم، حتى فوجئنا مرة باختطاف موكب عرس ضم 55 شخصا شيعيا تربطهم صلات نسب بسنة الناحية تم اعدامهم جميعا و دفنهم في حفرة واحدة بالقرب من منطقة الكراج القديم.. تلك العملية كانت سببا في إثارة مشاعر الجميع ضد القاعدة والتخطيط في ما بعد لانقلاب العشائر في اللطيفية" .

ضابط أمن عراقي التقته "نقاش" يوضح أن إعلان العشائر السنية الحرب على القاعدة كان وراء تمكين القوات الامنية من السيطرة على هذه البقعة الساخنة، حماد الشمري المسؤول عن السيطرة المعروفة برقم 77 يؤكد: " كانت مهامنا محصورة بانتشال الجثث من الطرق، لم تتمكن القوات الحكومية من صد هجمات مسلحي القاعدة ولم تجرؤ على الوصول الى اللطيفية دون دعم جوي أميركي ولم تتمكن من الصمود والبقاء في مواقعها لمدة طويلة، أما العشائر فكانت تقاتل بشراسة وتحقق الانتصارات" .

لكن أفراد من العشائر المسلحة يشعرون أن الحكومة - وبالرغم من أنها أمدتهم بالسلاح والمال- غبنتهم حقهم ، والبعض منهم التقته "نقاش" يرى أن "الحكومة حصدت الانجاز في منطقتي اللطيفية والمحمودية بعد تطهيرهما من القاعدة، في حين حرمت العائلات المنكوبة، من التقاعد أو التعويضات المخصصة للشهداء". ويختم ضرغام الحلي أحد أفراد الحرس قائلا: "نشعر بالقلق على مستقبل اطفالنا وعائلاتنا في حال قتلنا أو تعوقنا بسبب عدم إقرار قانون لصرف تعويضات مالية شهرية للشهداء أو الجرحى لحد الآن، وبدأ الكثير منا يشعرون أن تضحياتهم ومواقفهم الوطنية ذهبت سدى بعد أن أوصدت المؤسسات الحكومية ووزارة الداخلية أبواب التوظيف بوجوههم".