مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

أي دور يلعبه السيد السيستاني؟

د. ریاض الساري
منذ دخول قوات التحالف أرض بغداد،…
7.05.2008

فمنذ الأيام الأولى التي تلت سقوط النظام الدكتاتوري وسيطرة قوات الاحتلال على المدن العراقية، طالب آية الله (علي السيستاني) بإقامة انتخابات حرة مباشرة، وقد قدر لطلب المرجع الكبير أن يعمل على مواجهة إدارة قوات الاحتلال بسلاحها (أي بالديمقراطية)، فلم يخف الحاكم المدني لقوات الاحتلال الأمريكي (بول بريمر) تبرمه من الطلب، وعمل على رفضه متعللاً بأسباب عدة، ليس أيسرها الوضع الأمني، وكذلك إجراء تعداد عام للسكان في العراق(1)!!.

وعلى أية حال، فإنه وفي الملمات أو القضايا الكبرى في الحياة السياسية في العراق تحت الاحتلال، لم تتوقف الزيارات إلى مكتب السيد السيستاني في مدينة (النجف) (160 كلم جنوب بغداد) طلباً للتباحث والمشورة مع المرجع الديني الكبير؛ أعضاء من مجلس الحكم الانتقالي العراقي، و قادة الكتل السياسية، وعدد من أعضاء الحكومة العراقية، لكن ذلك لم يقتصر على العراقيين(2)، بل إن مبعوثي التحالف وبعثات الأمم المتحدة والجامعة العربية(3) داوموا على زيارة مقر السيد.

من هو علي السيستاني

(آية الله علي السيستاني) هو المرجع الأكثر شهرة وتقليداً في العراق، وهو مع ذلك شخصية مثيرة للجدل بين أوساط مريديه ومعارضيه، فمحبوه يعتبرونه أحد أساطين العلم و أساتذة البحث الكبار والخليفة الشرعي للسيد أبي القاسم الخوئي الزعيم السابق للحوزة العلمية في العراق (توفي في 1992) وهنالك قصص كثيرة يرويها مقلدو السيد السيستاني، عن عفته وزهده وعلمه وإعراضه عن الدنيا.

في مقابل ذلك، يرى معارضوه (من الراديكاليين المناهضين للحوزة التقليدية) أن مرجعيته إنما نهضت عن طريق صفقة عقدها السيد السيستاني مع السيد عبد المجيد الخوئي ابن المرجع أبو القاسم الخوئي، بحيث يحتفظ الخوئي بالأموال والمؤسسات التي كانت تابعة لوالده في مقابل أن يتسلم السيستاني زعامة المرجعية الدينية(4). معارضو السيد السيستاني يلفتون إلى أن هنالك شخصيات كثيرة أكثر أهلية وعلما لأن تكون في محلّه، ويصدرون في نفس الوقت إشارات تارة إلى ولاءه لإيران (بحكم جنسيته الإيرانية) وتارة إلى ولائه لأمريكا.

عموماً تمتاز مرجعيه السيستاني بخصيصتين: الاولى هي القدرة المالية العالية ومصدرها بشكل اساسي الأموال التي تحصلها مؤسسات السيستاني من مبلغ الخمس الذي يقدمه الأتباع للمرجع ووكلائه ، والثانية هي تركيز السيد السيستاني على سعة الانتشار عبر استقطاب الرموز المؤثرة في الوسط الديني والاجتماعي الشيعي.

وعلى الصعيد السياسي يعتبر السيستاني الشخصية الدينية ذات الأثر المفصلي في استحواذ الشيعة على الجزء الاكبر من العملية السياسية بعد الاحتلال، وتكشف مذكرات الحاكم المدني السابق السفير (بول بريمر) الكثير من جوانب هذا التأثير. منها مثلا الدور الذي لعبه في نجاح قائمة الائتلاف العراقي الموحد في جولتي الانتخابات، ذاك النجاح جاء بفضل الغطاء الديني الذي وفره السيستاني للأحزاب الشيعية. حينذاك، لم يصدر المرجع الأعلى فتوى صريحة لأتباعه بشان انتخاب ذلك الطرف او ذاك، إلا أنه حضّهم على أمرين أساسيين: مشاركة شيعية واسعة في الانتخابات، وتوحيد الصف الشيعي. وهو ما دفع أتباعه إلى الاقبال على الانتخابات بشدة وانتخاب قائمة الائتلاف الشيعي الموحد المعروفة بـ (القائمة 555) التي حصدت 128 مقعدا في البرلمان من أصل 275 مقعد.

لا بد هنا من الإشارة إلى أن السيستاني قد تخلى، جزئياً، عن تقليديته في مقاربة الشأن السياسي، فالمعروف ان السيستاني يتبع مدرسة مراجع شيعة كبار آخرين (كأبي القاسم الخوئي والبروجردي وغيرهم) تقول بمحدودية الصلاحيات التي ينبغي أن يتمتع بها المجتهد أو الفقيه من رجال الدين الشيعة، واستناداً لهذه المدرسة والتي تلاقي صدىً كبيراً لدى غالبية المجتهدين الشيعة، يلتزم رجل الدين بوظيفة دراسة وتعليم الشريعة والفقه الدينيين، ويبتعد بالقدر الممكن عن السياسة. هذه المدرسة لا تشجع المجتهد على التدخل في المسائل السياسية للدولة. إلا أن السيستاني خرج عن هذه التقليدية وأصبح خلال السنوات الأربع المنصرمة أكثر المراجع انغماساً في الشأن السياسي العراقي، ولو كانت تحركاته على نحو منضبط ومحسوب.

مواقف ملتبسة

خروج السيستاني عن المدرسة الشيعية التقليدية لم يكن في انتخابات سنة 2005 فقط، ولو كان موقفه وقت الانتخابات هو الموقف الاكثر تأثيرا وفعالية. دخول المرجع الأعلى في اللعبة السياسية برز في عدة أحداث أخرى، منها سنة 2004، عندما أعلن صراحةً معارضتة للدستور المؤقت، أو ما عرف بـ(قانون إدارة الدولة) وتحدى الولايات المتحدة بخصوص عدد من فقراته (أبرزها دور الدين في التشريع) وطالب بكتابة الدستور بأيادي عراقية لا امريكية، ودعا العراقيين للتظاهر احتجاجا عليه.

من أبرز المواقف أيضا الدور الذي لعبه في الأسبوع الأخير من أغسطس 2004 وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من القتال العنيف بين جيش المهدي والقوات الأمريكية في الـ(نجف) المدينة المقدسة لدى الشيعة، حين تمكن السيستاني من رعاية اتفاق لوقف إطلاق النار بين القوات الامريكية وبين الزعيم الشاب المتطرف مقتدى الصدر، أدى هذا الاتفاق إلى خروج عناصر جيش المهدي من الـ(نجف) وإغلاق مكاتب الصدريين فيها.

للسيستاني مواقف اخرى أقل وضوحا، منها مواقفه من توجهات الفريقين السياسيين الكبيرين: المجلس الأعلى الإسلامي، والتيار الصدري. فمن الصعب ان تجد للسيستاني تصريحا في هذا الخصوص، إلا ان باستطاعة المتابع قراءة موقف السيستاني من خلال قراءة مواقف تلك الأحزاب اتجاهه.

مع المجلس الأعلى انتقلت العلاقة من العداء المباشر سنة 2003 إلى أن صار المجلس الأعلى يتخذ السيستاني مرجعية له اليوم، وهذا بعد أن أدرك المجلس الوزن الذي يمثله السيستاني في الشارع الشيعي العراقي.

مع الصدريين يختلف الوضع، حيث يعتبر تيار مقتدى الصدر أن السيستاني يمثل الخط الشيعي الإيراني في العراق في حين يعتبرون أنفسهم ممثلين للخط الشيعي العروبي. بالطبع لم ينس الصدريون أن السيستاني لعب دورا مباشرا في اخراجهم من مكاتبهم في مدينة الـ (نجف)، بعد أن دفع الامريكيين لوضع هذا الشرط ضمن شروط وقف القتال، الأمر الذي حرم مقتدى الصدر من التواجد والتحرك في مركز الشيعة الديني الأهم، لذلك تجد في تصريحات الصدريين نبرة عدائية اتجاه حوزة السيستاني.

كل ذلك والسيد السيستاني لا يصرح ولا يبدي موقفا صريحا ضد أو مع تلك الاطراف، انما يترك لحلفاءه وخصومه تلك المهمة الثقيلة، في حين يواظب على تمرير الرسائل السياسية عبر الزوار والسياسيين الذي يقدمون إلى مقره، ويحرص في نفس الوقت على عدم الظهور في وسائل الإعلام.

فرضيات كثيرة تطرح حول طبيعة دور الرجل، منها ما يعتبر أن السيستاني ينفذ أجندة ايرانية في العراق لأن جنسيته ايرانية، ومنها ما يرى فيه ندا للايرانيين بسبب رفضه لـ (دولة ولاية الفقيه) ولمرجعية السيد علي خامنئي (مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية). منها ما يعتبر أن السيستاني هادن الامريكيين و قبل التعامل مع الاحتلال ولم يدع إلى مقاومته بالسلاح، ومنها ما يعتبر أنه وقف بوجه الحاكم المدني بول بريمر ومنعه من تمرير كثير من مشروعات الولايات المتحدة للسيطرة على العملية السياسية.

لكن وفي جميع الأحوال، تجمع الرؤى والتحليلات على أن السيد السيستاني يلعب دوره باتقان وكفاءه، وأن الدور الذي يقوم به يتجاوز أدوار المراجع الدينية التي سبقته، بحيث صارت الكلمة التي تخرج من مقره محددا أساسيا للخطوات التي تسير عليها الكثير من القوى السياسية علاوة على الملايين من أتباعه.

الهوامش

(1) قد تحققت مطالب المرجع الكبير بإقامة انتخابات برلمانية، بعد أقل من عامين بقليل من الاحتلال، وذلك في يوم 30/1/2005. على الرغم من أن أياً من الموانع التي واجهت رفض طلبه في المرة الأولى لم تذلل أو تزال من الوجود، فالوضع الأمني لم يتحسن بل ازداد قلقاً وصعوبة، ولم ينفذ أي تعداد عام لسكان العراق. وحينما أجريت الانتخابات كان لفتاوى المرجع الكبير الدور الأكبر في نجاح الانتخابات البرلمانية في المنطقتين الوسطى والجنوبية من العراق، مثلما كان للزخم القومي والاضطهاد الذي واجهه الأكراد طوال عمر الدولة العراقية الحديثة أثره الفاعل في نجاحها في المنطقة الشمالية (ملاحظة للكاتب).

(2) ربما كان من أهم هؤلاء رئيس الجمهورية الحالي (جلال طالباني) ونائب رئيس الوزراء الحالي (برهم صالح) رئيس الوزراء السابق (الدكتور الجعفري)، وغيرهم (ملاحظة للكاتب).

(3) ربما كان من أهم هؤلاء ممثل الأمين العام لأمم المتحدة (الأخضر الإبراهيمي)، وأيضاً (عمرو موسى) الأمين العام لجامعة الدول العربية، وغيرهم (ملاحظة للكاتب).

(4) عادل رؤوف، عراق بلا قيادة: قراءة في أزمة القيادة الإسلامية الشيعية في العراق، المركز العراقي للإعلام والدراسات، دمشق، 2002، ص 397

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.