مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

النجف
عن القبور التي صارت مدينة

د. ریاض الساري
تشكل المقابر معلماً مهماً في حياة…
26.11.2007  |  النجف

وتكاد مقبرة الـ(نجف) الواسعة الملاصقة لمرقد علي بن أبي طالب (ع)، إمام الشيعة الأول ورابع الخلفاء المسلمين بعد الرسول، أن تمثل ذلك خير تمثيل، فهي توثق لما مرَّ به الشيعة من استبداد الحكام وقمعهم وجبروتهم. غير أنها، ومنذ أبريل 2003 شكلت في الغالب، معقلا لمحاولات التمرد المسلح ضد الحكومة وقوات الاحتلال.

المقبرة المركز

اختار علي بن أبي طالب (ع) ، في عام 36 هـ(الموافق لـ656م) الانتقال من (المدينة المنورة) في الجزيرة العربية، إلى (الكوفة) في العراق، والتي أصبحت منذ ذلك اليوم وحتى وفاته دار الخلافة الإسلامية أو عاصمة المسلمين، ولا زالت هناك بضع آثار تشير إلى هذا الإرث التاريخي في مدينة الكوفة التي يقدسها الشيعة. لكن وفاة علي (ع) بعد أيام قليلة من محاولة ناجحة لاغتياله ودفنه بناءً على وصيّة في وادٍ قريب من الكوفة يدعى (نجف)، جعل خارطة المنطقة تتغير تماماً منذ ذلك الحين، فعلى الرغم من شيوع مقولة أن "الـ(نجف) مدفن وليست مسكن"، إلا أنها أصبحت مسكناً لعدد واسع من أبنائها، فأصبحت المنطقة المحيطة بقبر الإمام وقبور الصحابة من اوليائه هي المركز الواسع ، فيما أُلحقت (الكوفة) كقضاء بمركز المدينة. وتقع الـ(نجف) اليوم وهي محافظة، في الطرف الغربي من المنطقة الوسطى للعراق وما يميز الـ(نجف) اليوم هو مقبرتها التي أصبحت عظيمة الحجم، والتي تعدُّ ثاني أكبر المقابر في العالم من حيث عدد القبور التي تحويها، بعد مقبرة الحرب في ألمانيا، على الرغم من أن عدداً من الباحثين كثيراً من الباحثين يعدها الأولى لأنها الأقدم وفقاً للحسابات التاريخية التي تشير إلى أكثر من ألف عام تقريباً، وذلك منذ أن بدأ الموالين لـ(علي بن أبي طالب) بدفن موتاهم قرب قبره تبركاً، باعتباره مكاناً مقدساً تغفر فيه الذنوب والخطايا.

ألف عام من الجثث

أصبحت النجف بعد وفاة الإمام عليّ مركزاً للحوزة العلمية والمجتهدين الشيعة. ومنذ أكثر من ألف سنة، والشيعة يجهَدون في نقل جثث ورفات موتاهم من شتى بلدان العالم إلى مقبرة الـ(نجف) أو مقبرة (وادي السلام) نسبةً للوادي الكبير في الجانب الشمالي الشرقي من المدينة. حيث يرى الناظر للمقبرة مشاهد لقبور شتى، بعضها جديد والآخر يندرس وثالثةٌ تميل إلى ذلك. وخلال أكثر من ألف عام ضمت المقبرة بين جنباتها قبوراً لملوك ورؤساء ووزراء وعلماء ورجال دين وشعراء وسياسيين وقادة ورموز وطنية دخلت التاريخ العراقي، وتضم كذلك قبوراً لغالبية من الفقراء وضحايا الكوارث والفيضانات وضحايا الحروب والإعدامات للأنظمة الديكتاتورية.. و "تعددت الأسباب والموت واحد".

ومقبرة الـ(نجف) الواسعة جداً، لا تقتصر على قبور العراقيين، وإنما تضم قبوراً لموتى شيعة من جنسيات مختلفة. وكان يتم إيصال جثامين الموتى وجنائزهم الى المقبرة على ظهور الحيوانات وبواسطة مراكب نهرية خاصة عبر نهري الفرات ودجلة، ثم تطور الأمر ليصبح النقل بواسطة وسائل النقل الحديثة، ويتحدث التاريخ عن عمليات كثيرة جرى فيها تهريب الجثث من إيران إلى العراق العثماني لتدفن في مقبرة النجف، حيث كان من المتعذر إدخال الجثث عبر الحدود عندما كانت تسوء الحال بين الدولتين، أو حين ينتشر الطاعون أو مرض آخر في إحداهما، في حين يجد ذوو المتوفى أنفسهم أمام واجب ديني أو وصيّة توصي بدفن المتوفى في المقبرة المقدسة. وكان النظام السابق قد فرض ضريبة باهضة (وصلت في تسعينات القرن الماضي إلى أربعة آلاف دولار) على دفن جثامين غير العراقيين في المقبرة، مما قلل من عدد الجثامين غير العراقية التي تدخل المقبرة.

صوراجتماعية

ما فتأت مقبرة الـ (نجف) تتوسع لأسباب عديدة أهمهما الأسباب السياسية. فالقمع المتواصل والحروب المستمرة أفاضت بمصائبها على عوائل العراق و بثروات كبيرة على العاملين في دفن الموتى. في نفس الوقت أصبحت المقبرة ملاذا ومكاناً للاختباء لبعض الخارجين على القانون في العراق في فترات معينة وكذلك الهاربين من الخدمة العسكرية أو المطلوبين قضائياً، مستخدمين (السراديب) التي تشبه البيوت سكناً لهم وسط وحشة المقبرة وهيبة الموت.

وعلى الرغم من أن لا فرق بين الموتى، فإن المقابر في مقبرة الـ (نجف) توحي بغير ذلك، إذ إنها تعطي انطباعاً بالتمييز واللا مساواة حتى في الموت، فهي تكشف عن فروق اقتصادية واجتماعية واضحة بين الموتى أنفسهم، ولسوف تجد أن كل قبر يختلف عن الآخر حجماً ومساحةً وبناءً، كما تختلف شواهد القبور من حيث الحجم والمساحة والارتفاع والنقش الموجود عليها، ويصنع بعضها من الرخام الجيد وأخرى من الآجرّ وثالثة من قطع بلاط صناعي زهيد الثمن تُدعى (كاشي) باللهجة العامية العراقية. كما أنك ستميز اختلافاً في نوع القبور، إذ أن هناك ما يدعى بالـ(سراديب) التي يضم بعضها أكثر من طابق يشكل كل واحد منها مكاناً لجثامين أو لحود عدة. وقد تجد أن البعض بنى لموتاه غرفاً أو حتى دوراً ومنازل، يتوافر البعض منها على حدائق منمقة، وفيها سبيل ماء في العادة، يقيم فيها شخص يقرأ القرآن في أوقات معينة ويتقاضى راتباً من ذوي العلاقة. كما أن لكثير من قبور علماء الدين ومراجع الشيعة قِباب (إسلامية) مصغرة يختلف حجمها وتصميمها.

ولمقبرة النجف خصوصية معينة لا يعرفها سوى القائمين عليها، وهم (الدفّانة) متعهدو دفن الموتى، فهم الوحيدون الذين يعرفون طرقها وما تحوي قبورها، وعمر كل قبر وصاحبه، ومن أي مدينة وغيرها، فكل شيء درج في التفصيل بسجلات خاصة وبعض هذه السجلات قديمة جداً عمرها مئات السنين، وتوزعت مهنة دفن الموتى في مقبرة النجف على عوائل نجفية عريقة توارثتها، (وأهمهم آل بو أصيبع، وبيت الشيخ محمد، والشيخ رحيم، وبيت الحاج نمر حبيبان).ولكل دفان مكتب للدفن يقع في مداخل مقبرة النجف، ولكل عائلة وعشيرة دفانّها الخاص الذي يعرف قبورها ويتخصص في دفن الجُدد من موتاها، ويحجز العديد من الناس مقابر لهم يقومون ببنائها تحت اشراف دفّان العائلة قبل أن يحين أجلهم.توسعت مقبرة الـ(نجف) التي تضم مئات الآلاف من القبور القائمة لتستحوذ على الطريق المؤدي الى مدينة كربلاء، وهي الآن أشبه بمتنزه لزوار النجف وسكانها، إذ عادةً ما يبدأ الشيعة طقوس عيد الفطر وعيد الضحى (أهم الأعياد الإسلامية) في أول أيامهما بزيارة قبور موتاهم. وتكنس نساء متشحات بملابس الحداد السوداء التراب وينظفن مناطق القبور. ويتبادل زوار المقبرة الطعام والشراب والفاكهة خلال تواجدهم فيها والذي يستمر لساعات عادة. وربما نكاية بهم وضع النظام السابق منذ نهاية الثمانينات مدينة الألعاب الترفيهية البسيطة على مشارف الحدود الشمالية للمقبرة.

الحوادث السياسية

من سيئات الحرب العراقية الإيرانية الطاحنة أنها جعلت هذه المقبرة تتسع طولاً وعرضاً، ولما لم تعد قادرةً على استيعاب الموتى، استحدثت مقبرة جديدة لتضم رفات خيرة شباب العراق، والتي أصبحت منذ الأشهر الأولى لتلك الحرب الطويلة تلف بالعلم العراقي !! لكنها مع تسعينات القرن الماضي شهدت زيادة في عدد الموتى من الأطفال الجوعى والأمهات الثكالى بأطفالهن، أو النساء الحوامل، وكان هذا تغيراً في النوع!

وعلى الرغم من أنها عانت الكثير من تسلط الأنظمة الحاكمة للعراق، لكن (سراديبها) استخدمت عادةً كمخابيء سرية لإخفاء الأسلحة والإعداد للثورات في عهد الاستعمار والقمع.

كما أنها دمرت بشكل كبير في عهد النظام السابق أثناء انتفاضة مارس من عام 1991، فقد تعمد النظام هدم الكثير من سراديبها مخافة أن تكون معاقل للثوار، والإساءة الى بعض الرموز والقبور دون الاكتراث لقيمتها الرمزية والروحية، بقصد إيذاء مشاعر المعارضين ، فدخلت الدبابات العسكرية تسحق قبور أحبتهم وتبعثر العظام، بعد أن كانت قد قصفت المقبرة بالصواريخ، ثم قامت بفتح شوارع فيها لتحقق السيطرة الأمنية، واستطاعت بتلك الوسائل الخسيسة أن تبعثر وتلغي آلاف القبور في المقبرة القديمة ولم تسمح للناس أن يلموا عظام موتاهم ويعيدوا بناء قبورهم. كما تعرضت المقبرة في معارك الـ(نجف) الشهيرة عام 2004 إلى كثير من الخراب أيضاً، وذلك بعد أن استخدمها أفراد جيش المهدي مقراً لهم. إذ إن مبانيها الطابقية العالية والمزدحمة، شكلت مكاناً مناسباً لاختباء أفراد جيش المهدي. وشهدت المقبرة خلال أربع سنوات منذ أبريل 2003، تسجيل زيادةٍ مرعبة في عدد الجثامين مجهولة الهوية والتي خصصت لها مقبرة خاصة، وكان قد ارتفع حصول مثل هذه الحالات المؤلمة بأثر تصاعد حدة القتل الطائفي في العراق.

مستقبل المقبرة

لم تلتفت سلطات الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها المبكر عام 1921، ولغاية اليوم، إلى تحديث المقبرة عبر تنظيم الدفن فيها وترتيب قبورها، وبما يليق بأهمية المدينة المقدسة وأهمية المقبرة وأعداد زوارهما. فالمقبرة صارت تأخذ حيزاً كبيراً من المدينة، حيث تداخلت القبور وتلاصقت مع معالم المدينة وامتدت شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وبات متعهدو الدفن يبحثون عن مساحات جديدة لدفن الموتى، في الوقت الذي تزداد فيه مساحة المقبرة. وبرغم توسعها الدائم، فإن المقبرة لا تزال تخلو من ابسط الخدمات التي يحتاجها الناس الذين يفدون عليها بكثافة في مواسم الأعياد والزيارات. ولم تلتفت إدارة المدينة لشق طرق جديدة في داخلها، أو توسيع الطرق الحالية، أو نصب إشارات دلالة في مجاهيل المقبرة الواسعة. كما إن التوسع المبالغ به للمقبرة ضيق على سكن الأفراد، مما حدا ببعض القادة إلى فعل ما لم تفعله بلدية المدينة، فقام السيد مقتدى الصدر بتوزيع بعضٍ من أراضي المقبرة على أتباعه ممن لا يملك بيتاً، وبخاصةً تلك التي تقع على أطراف المقبرة الشمالية والجنوبية المحاذية لبحر النجف.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.