مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

التسوّل في البصرة
فن الاحتيال على الفقر

سليم الوزان
تشتد المنافسة الشرسة في شوارع البصرة بين المتسولين، فالتقاط حسنة صعبة المنال هدفاً مغرياً يضطر المتسول إلى عمل المستحيلات لبلوغه، فبعضهم يعرض أمام المارة أطفالاً مشوهين وآخرون يعرضون أطرافهم المبتورة وعيونهم المفقوءة.
30.01.2014  |  البصرة
A scene from Basra\'s markets, where beggars ply their trade.
A scene from Basra\'s markets, where beggars ply their trade.

ولبعض المتسولين نظام خاص في مماسرسة المهنة فهم يعملون بحسب أيام الأسبوع، فأحد الأيام يمضونه في الأسواق وآخر على الجسور وثالث قرب الأماكن الدينية والمساجد والحسينيات وخاصة أيام الجمع وليالي الخميس وفي المناسبات الدينية.

يقول حسين جبر وهو متسول في الأربعين من عمره إن "ليالي العطّل والمناسبات الدينية مباركة وفيها ثواب للموتى لذلك نحن نتوسل الناس بالدعاء بطلب شفاعة الأئمة وبالدعاء للمرضى وطلب الرحمة للموتى".

الحصول على مكان عند باب أحد المواقع الدينية شيئاً ثميناً لا يمكن التفريط به "نواجه صعوبة في العثور على مكان شاغر، هذه الأماكن محجوزة سلفاً لمتسولات شرسات يختفينَّ وراء العباءات السود، وقد تدور رحى معارك فيما بينهن بغية الحصول على موطئ قدم عند باب أحد المساجد" يؤكد جبر الذي جلس يتسوّل في باحة قريبة من أحد التقاطعات.وبحسب خبراء اقتصاديين تبلغ نسبة الفقر في البصرة عند خط 33 في المائة برغم عائدات النفط ونسبة واحد في المائة من البترو دولار.

وكجزء من فنون التسول لا تتورع بعض النساء عن استئجار أطفال من عائلات معدمة وإعطائهم مادة مخدرة من أدوية الحساسية أو الفاليوم ليخلدوا إلى النوم، وهم شبه عراة حتى في البرد القارس فيبدو الطفل وكأنه مريض أوموشك على الموت.

يقول مدير الجمعية العراقية لحقوق الإنسان سامي تومان إن ظاهرة التسوّل لم تكن وليدة اليوم وقد تشكلت مجاميع امتهنت التسول، بينما تولى أفراد آخرون الأشراف على العمل بهدف البحث عن المكسب المادي، وبعد غياب الرادع القانوني عقي عام 2003 استفحلت الظاهرة بشكل كبير ومؤثر وأصبحت ظاهرة تجارية ليس لها صلة بالعوز المادي".

رائد في قيادة الشرطة في البصرة طلب من "نقاش" عدم ذكر أسمه قال إن قوات الأمن ألقت القبض على الكثير من النساء المتسولات.

وقال "هناك عصابات إجرامية استغلّت المتسولين وخاصة النساء اللواتي يطفنَّ الأحياء السكنية ويطرقن الأبواب وعلى وجه الخصوص دور الأثرياء تحت قناع التسول لكنهن يقمن بالتحري ومعرفة ما يدور في هذه البيوت لينقلن صورة كاملة للعصابة التي تقوم بسرقته لاحقاً".

لكن المتسول حميد فاضل يؤكد أنهم أناس فقراء ولا صلة لهم بعصابات السرقة ويضيف "لو حصلنا على معونة كافية من الرعاية الاجتماعية لما عرّضنا أنفسنا للذل والإهانة، فأنا لا استطيع إطعام ستة أفواه كوني معاق ولا قدرة لي على العمل".

وللتسول فنون عدة فهناك نوع من المتسولين يطلقون عليهم تسمية " المتسوِّل الخجول" حيث يصادفك شاب أو رجل في مقتبل العمر وبهندام أعتيادي فترى في نظرته حزناً وظلاً من الحياء ويهمس لك بأنه بحاجة الى أجرة سيارة بعدما أضاع نقوده للوصول الى أهله، ويختار منطقة بعيدة حتى تكون الأجرة كبيرة ليستجدي رحمة الشخص المقابل فيمنحه مبلغاً مناسباً وهو يؤدي دوره بشكل درامي وإذا تكشفت أوراق المتسول "الممثل " فأنه يضطر لتغيير مكان عمله.

بينما لجأ بعض المتسولين الطموحين إلى تطوير حيلة قديمة تتلخص بتجنيد الأطفال وتوزيعهم على تقاطعات الطرق للهجوم على سائقي المركبات والركاب، ولعل مهنة مسح زجاج السيارات التي أتقنها الصبية عند إشارات المرور تلفت الأنظار باعتبارها شكلاً من أشكال التسول المقنّع ، فهؤلاء يقومون بمسح زجاج السيارة عنوة ، ومنهم من يختار السيارات الحديثة وذلك لاعتقادهم بأن صاحب هذه السيارة من الأثرياء ويمكن استدرار عطفه.

وشاعت ظاهرة أخرى من التسول حيث يحاول بعض الصبية من الجنسين التطفل على ضحاياهم، فيتصيدون المتنزهين ومن يسير مع زميلته او زوجته على الكورنيش أو في الحدائق العامة ويستحلفونه بحبه للمراة التي ترافقه ان يمنحهم شيئاً من النقود فإذا رفض يتهمونه بأنه بخيل ولايحب المرأة التي معه الأمر الذي يضطره إلى إخراج ما في جيبه تجنبا للإحراج.

ولم يفت المتسولين في البصرة استثمار الصراعات الطائفية والسياسية التي تعصف بالبلاد، فهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم ضحايا الإرهاب وقد فقدوا كل شيء، بيوتهم وأرزاقهم وباتوا لايملكون شيئاً ومنهم من يعرض عليك صور وهمية لأشخاص يزعم أنهم عائلته أو أبناءه وقد تاهوا وضاعوا أو قتلوا.

أما طائفة متسولي البطاقة التموينية فتلتقي بهم في الأحياء السكنية طالبين مواد تموينية لا يرغب بها الناس لرداءة نوعيتها، وتكون طلباتهم على وفق حالة السوق وعدم توفر هذه المواد وأرتفاع أسعارها فهم غالباً مايطلبون اغلى المواد الغذائية مثل السكر والزيت وغيرها من المواد التي يحصل عليها المواطنون من البطاقة التموينية ولذلك يطلقون عليهم "متسولي البطاقة التموينية".

ومن الصعب حصر أنواع المتسولين وأساليبهم وحيلهم في مدينة النفط، فالتسوّل فن يومي متطور كالنكتة الشعبية، وهو بعكس فن السياسة لدينا، حيث يميل للأبتكار والحداثة وتلبية الحاجات القصوى من أجل مصلحة شريحة المتسولين، لكنهم كالسياسيين يعلمون أن خداع الناس واقع ضروري لدوام بقاءهم.