مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

في الموصل
الخياطة للاغنياء وأصحاب المقاسات الكبيرة فقط

عبد المهيمن باسل
كان ضرغام يتصبب عرقاً وهو يحمل قطعة قماش إنكليزي فاخر بلون أسود فاحم باحثاً في السوق، عن خيّاط بقي وفياً لمهنته، ويعرف التعامل مع القياسات الكبيرة.
9.08.2012  |  الموصل

منذ أن تجاوز ضرغام وزن 130 كيلو غرام وهو لا يستطيع أن يجد في الألبسة الجاهزة قياساً مناسباً له، فقط الخياطون هم من يستطيعون تحقيق أمنيته في الوصول الى أناقة كاملة.

يقول ضرغام: "عقد كامل مضى وأنا أستعين بمقص خياط في سوق المدينة القديم، للحصول على مقاس يناسبني، لكنني فوجئت هذه المرة بانتقاله إلى مهنة جديدة، ووجوب التفتيش عن غيره".

ويضيف أنه يواجه صعوبة في إيجاد خياط آخر، رغم دورانه المكوكي في شوارع حلب والدواسة وباب السراي والسرجخانة في الجهة اليمنى من مدينة الموصل، وكأن قانوناً ما صدر بمنع المهنة في المدينة.

أكثر من 300 ورشة خياطة، كانت منتشرة في عموم الموصل قبل عام 2003، لم يبق منها سوى الثلث تقريباً في الوقت الحالي.

أبو احمد أقدم خياطي سوق الدواسة يقول إن إغراق السوق بألبسة جاهزة رخيصة الثمن مستوردة من سوريا وتركيا والصين، وعدم فرض أي تعريفة جمركية على استيرادها هو السبب الرئيس في ترك الكثيرين من الخياطين لمهنتهم.

ويضيف "تحتاج الألبسة المخاطة إلى تكاليف شراء الأقمشة ودفع أجور الخياطة، إضافة الى الوقت الذي تستلزمه عملية صناعة الثوب مع مراجعة متكررة للزبون لأخذ القياسات قبل الأستلام، وهذا كله يؤدي إلى تكلفة مضاعفة قياساً بالجاهز منها.

مراسل "نقاش" قام بجولة في أسواق الموصل، بدأها في شارع حلب ذات الطابع الذكوري ببضاعته ورواده وهو المكان ذاته الذي كان ضرغام يتجول فيه باحثاً عن خياط جديد.

سمير محمد الذي يدير ورشة الجزيرة للخياطة داخل المكان قال إن الأوضاع الأمنية الصعبة التي عاشتها مدينة الموصل بعد 2003 وحتى اليوم، هي واحدة من الاسباب التي جعلت الزبائن تفضل الثياب الجاهزة على المخاطة.

ويتابع "التفجيرات وحوادث القتل إضافة إلى وضع الحواجز في جميع الطرقات ومنع إيقاف أي سيارة على جانب أي طريق، كلها أسباب تجعل من الثياب الجاهزة خياراً مفضلاً لزبائننا القدماء".

سمير في عقده السادس، قضى معظمها في مهنة ورثها عن أبيه الذي ورثها بدوره عن جده قال "بأنه يشهد أسوأ زمن لمهنة الخياطة في نينوى على الإطلاق، ففي الماضي كانت الأسابيع التي تسبق أعياد المسلمين والمسيحيين تمتلئ ورشته بالزبائن الذين يريدون تجهيز ملابس العيد قبل حلوله.

زبائن سمير كانوا من مختلف شرائح المجتمع بينهم أغنياء ومحدودي الدخل وموظفين وأصحاب مهن حرة، أما الآن فيتحسر على ذلك الزمن قائلاً "خسرت الكثير منهم، ولم يعد يراجعني في الغالب سوى أصحاب الأحجام الخاصة التي يصعب عليهم العثور على مقاسات جاهزة تناسبهم في السوق، مع كبار سن وموظفين وتجار ولكن بنسبة قليلة".

ويتابع سمير حديثه وهو يترجم ارقام القياسات على قطعة قماش بنية اللون فرشها أمامه على النضد "سعر البذلة الجاهزة الجيدة أرخص بكثير من التي أقوم بخياطتها هنا، اذ يتراوح بين(75_100) الف دينار اي ما يعادل (60_80) دولار، بينما تصل كلفة خياطتها إلى (240) ألف دينار عراقي أي ما يعادل (200) دولار.

ويشير إلى وجود عدة أنواع للأقمشة المتداولة في الأسواق، منها الباكستاني وسعر المتر الواحد 25 ألف دينار اي ما يعادل(20$) والياباني 50 ألف اي(40$) والتايلندي 35 ألفاً، أقل من (30$).

ويؤكد "الأغنياء وحدهم يستطيعون تحمل هذه الأسعار، وهم يتجنبون الظهور بشكل علني في السوق بسبب مخاطر الوضع الأمني، فلن يُغامر احدهم بان يُختطَف من أجل بذلة".

وعلى مسافة قريبة، كان محمود عامر منشغلاً بتدوين قياسات زبون قد يكون الأخير بسبب قراره بالانتقال الى بيع الثياب الجاهزة.

ويقول عامر" لم يعد الأمر مجدياً، وأحتاج الى مال لدفع ايجار الورشة والعمال إضافة إلى رسوم الكهرباء والضريبة".

وفي شارع خالد أبن الوليد كان مروان رجب يستخدم مقصه الكبير بهمة، ويصدر أصواتا يسمعها المارة ويردد أغنية شعبية جميلة قبل أن يشير إلى جدران ورشته ويقول "كنت أعلِّق ثياب زبائني المنجزة في مثل هذه الاوقات من كل عام". ويقصد شهر رمضان قبل عيد الفطر.

وبالفعل لم تكن هنالك سوى ساعة متوقفة، وإجازة مهنة تحمل صورة مروان معلقة داخل إطار وأضاف "المهنة تتجه نحو الانقراض، ليس فقط بالنسبة للورش الصغيرة، بل حتى بالنسبة للمعامل التي كان عددها100 معمل منتشرة في مدينة الموصل قبل نحو عقد من الزمان، أما اليوم فلم يبق منها سوى اثنيتن أو ثلاثة فقط".

النساء أسعد حظا من الرجال في الموصل، وأكثر ارتباطا بمقصات الخياطة، ولهذا يزدهر عمل الخياطة النسوية في المنازل، بخلاف الخياطة الرجالية التي تكون في ورش تقع في الأسواق عادة.

تاجر الأقمشة عبد الله البزاز يقول بأن هناك بعض أنواع الثياب النسائية الجاهزة تكون غالية الثمن على النقيض من الرجالية، ولهذا فإن مهنة الخياطة النسوية متعافية في الموصل نوعا ما، رغم انها أيضاً لم تعد كما كانت عليه قبل عشرة سنوات.

ويستدرك، "مجتمع نينوى محافظ، والنساء يفضلن الخياطات، ومن النادر أن تجد رجلا يمتهن خياطة الملابس النسوية مثل بعض المدن الأخرى".

في وسط سوق الدواسة مخزن للألبسة يحمل إسم "سعد الحاج هاشم" وضعت على مدخله لافتة كبيرة تقول "نعتذر لعدم وجود قياسات كبيرة". وضرغام كان هناك، وربما كان الوحيد الذي شعر بان العبارة تخاطبه.

قال بحزن"نجحت في إيجاد خياط جديد، ولأنني اعرف بأنني سأفقده هو الآخر، لابد لي من البحث عن بدائل جاهز".

ثم ضحك وهو يفرش أصابع كفيه على كرشه الكبير"قد اكون بحاجة ماسة الآن الى خبراء في الرشاقة وليس الى خياطين".


تم انجاز هذه القصة من خلال برنامج Mentorship وهو مشروع تدريبي للصحفيين الشباب في "أكاديمية الإعلام- العراق"، بالتعاون مع مراسلي موقع "نقاش" في مختلف محافظات العراق.

المدرب الصحفي: نوزت شمدين

تحرير : ميرفت عدوان

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.