مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

العمادية مدينة الألف منزل.. سكانها يغادرون

عبدالخالق دوسكي
الأحجار القديمة المتراصة التي يتكون منها السور القديم لمدينة العمادية هي أول ما يجذب إنتباه الداخلين إليها من الباب الشرقي، أو (باب زيبار) كما يسميه سكانها الذين بدأو بالنزوح إلى سفح الجبل بعدما ضاقت بهم مدينتهم.
26.07.2012  |  دهوك

فالمدينة التي تحكي أزقتها تأريخا طويلا لعصور مختلفة لم تعد تتسع للسكان، وليس بالإمكان توسيعها أفقياً مثلما يحدث مع باقي المدن في الإقليم ماأضطر الأهالي إلى ترك مدينة الأجداد والتوجه غلى اسفل الجبل الذي يحتضنها لبناء مدينة أخرى اطلقوا عليها "العمادية الجديدة".

السلطات المحلية أزالت جزءا من سور المدينة عام 1938 لشق طريق السيارات داخلها، اما طابع التحضر الذي بسط سلطانه على معظم المنازل فساهم في إبراز جمالية بعض البيوت القديمة التي ما زالت تحتفظ بجدرانها المبنية من الأحجار المقطوعة بشكل هندسي جميل.

العمادية التي تم تشييدها على مساحة (6 كيلو متر) بحسب دائرة البلدية فيها والتي يطلق عليها السائحون مدينة "الألف منزل" مزجت بين التاريخ والحداثة، حيث يحيط بها سور يعود تأريخ تشييده الى أكثر من (8000) سنة.

المدينة التي كانت إحدى أهم الإمارات الكردية في القرون الماضية تبدو من مصيف سولاف القريب منها وكأنها مدينة خيالية ترقص بين الغيوم، وهي تستقر على قمة جبل يعلو (1400) مترا عن مستوى سطح البحر.

صغر حجمها لم يسع سوى لأربعة أحياء فقط هي سردبكي، وميدان، وحمام وايوم وتتسم بأزقتها الضيقة فهي بالكاد تكفي لمرور فرد واحد.

الطريق الواسع الوحيد فيها هو طريق دائري يلتف حولها، وتقع عليه معظم الدوائر الحكومية والمقرات الحزبية والثكنات العسكرية ايضا، أما المساحات الفارغة فهي معدومة في هذه المدينة التي تجاوز عدد سكانها (8000) نسمة.

هذا التزايد السكاني دفع الأجيال الجديدة من أهالي العمادية إلى النزوح، منها والنزول من حصن آبائهم الى سفح الجبل الذي إحتضن قلعتهم لآلاف السنين بحثا عن أماكن تتسع لبناء البيوت والمنازل الحديثة.

إقبال المواطنين على البناء خارج سور القلعة شجعته الحكومة المحلية بتوزيع قطع من الأراضي في هذه المناطق وبناء بعض المؤسسات الحكومية في المكان.

موقع مدينة العمادية التي تبعد 70 كيلومتراً عن مركزمدينة دهوك و 10 كيلو مترات عن الحدود التركية جعلها مركزا اقتصادياً هاماً طوال القرون الماضية وحتى اليوم، فقد كانت مشهورة بصناعة الحرير وكانت جزءا من طريق الحرير الجنوبي الذي يمر بتركستان وخراسان وبلاد ما بين النهرين باتجاه سوريا وشمال افريقيا أو إلى الأردن والجزيرة.

ويقول محمد العمادي أحد سكان المدينة لـ"نقاش" إن العمادية تمتاز بترابطها الأجتماعي المتين فسكانها يعرفون بعضهم البعض، وهي بخلاف معظم المدن الكردية تأسست وفق مبدأ العوائل والأسر وليس على أساس العشيرة.

العائلات الشهيرة التي تسكن المدينة كان لبعضها دور بارز في المجالات الثقافية والسياسية، فعائلة المفتي على سبيل المثال لعبت دورا كبيرا في نشر المظاهر الثقافية والعلمية في العمادية، وينتمي اليها محمد شكري المفتي وهو آخر المشرفين على مدرسة قبهان للعلوم العقلية والنقلية.

العائلة المذكورة مازالت تعيش في قلعة العمادية ومن أبنائها محمود محمد شكري المفتي (مواليد 1945) الذي قال لـ"نقاش" إن جذور عائلته في العمادية تمتد لأكثر من (300 سنة) .

عائلة الكتاني واحدة من عائلات المدينة، وتمتد جذورها لأكثر من مئتي سنة، ومن افراد هذه العائلة البروفيسور (مسعود كتاني) المختص بالزراعة والأعشاب الطبية و (عصمت كتاني) ممثل العراق السابق في الأمم المتحدة، وكان جده يعمل كاتبا في قصر الأمارة في العهد العثماني.

مراسل "نقاش" تجوّل في سوق العمادية الذي غطت سقفه أغصان شجر البلوط وتحدث مع عدد من السكان الذين استذكروا بعض القصص عن مدينتهم وتراثها الماضي.

سعيد محمد قال "كان للعمادية مدفع كبير يوضع في حي سردبكي على حافة السور يتم ملأه بالبارود في رمضان وإطلاقه عند الإفطار فتشعر القرى المجاورة بحلول وقت الإفطار".

ويضيف "غالبية هذه العادات إختفت هذه الأيام من حياتنا، فالجميع منشغلون بأعمالهم اليومية وكسب قوتهم، وعلى الرغم من تمسك أهالي العمادية ببعضهم إلا أن الكثيرين من السكان خرجوا من المدينة إلى أسفل القلعة بعد انشطار أسرهم".

هوكر أحد شباب العمادية الذين إستوطنوا خارج سورها قال "لم يبقى شبر داخل المدينة فاضطررنا الى النزول من القلعة، لكن منزل والدي القديم ما زال موجودا داخلها لكنه لم يعد يسعنا فبنيت بيتا هنا بعدما منحتني الحكومة قطعة ارض".

حركة نزوح المواطنين من القلعة الى خارجها بدأها شباب العمادية منذ أكثر من عامين حينما غادروا مدينة الأجداد التي ضاقت بهم ولم تعد تتسع لأطفالهم.

إبراهيم شاب آخر غادر خارج الأسوار القديمة قال "بعدما توسعت عائلتنا وضاق بنا بيت العائلة الكبير شيدت داراً حديثة الطراز لا تشبه في شيئ بيتنا القديم داخل القلعة الذي وضع جد والدي أحجاره البنية المربعة منذ اكثر من مائة عام".

القلعة التي تبدو بيضوية الشكل لم يبق فيها مكان للأبنية بعدما تحولت إلى قطعة من البناء، بحسب قول رمضان حجي عساف مدير بلدية العمادية الذي التقته "نقاش" في المدينة.

عساف قال "قمنا بالتنسيق مع محافظة دهوك بالتعاقد مع شركة (فوسينك) الألمانية لوضع المخطط الأساسي او ما يسمى (ماستر بلان) لمدينة العمادية، ونحاول توسع المدينة بالخروج من القلعة في الجهة الشرقية التي يسميها السكان "العمادية الجديدة".

وأضاف "في هذا التخطيط حاولنا وضع استراتيجية لتوسيع مدينة العمادية بالخروج من القلعة إلى السهول المحيطة بها خلال (25 عاماً) وهذا المخطط يتضمن انشاء مؤسسات خدمية واقتصادية وسياحية وثقافية وسكنية".

ويؤكد عساف إن تنفيذ خطة (الماستر بلان) بدأ بتخصيص (2000) قطعة أرض سكنية في الجانب الشرقي خارج القلعة، لتوزيعها على المواطنين لاحقا وفق تصميم خاص من مديرية التخطيط العمراني في دهوك كي لا يتم البناء بطرق عشوائية".

مدير بلدية العمادية أكد ان المدينة في تزايد سكاني مستمر وبحسب التصميم الأساسي للعمادية الجديدة قامت البلدية بتخصيص قطع اراضٍ لمديريات الكهرباء والتربية والرعاية الأجتماعية والري، واماكن أخرى للشقق السكنية وقال "هناك مساحة كبيرة تم تخصيصها لبناء جامعة المدينة التي لا تحوي سوى معهد واحد هو المعهد الفني".

وعن إمكانية الحفاظ على الطراز العماري للمنازل القديمة داخل العمادية قال "كل شخص يرغب بترميم بيته أو جزء من داره في داخل قلعة العمادية، يتوجب عليه إستشارة مديرية الآثار قبل البدء بالترميم أو الهدم وخاصة البيوت التي تطل على السور او التي صارت جزءا منه بمرور الزمن".

مدير اثار العمادية هيور إحسان قال إن مدينة العمادية تزخر بالكثير من المواقع الأثرية مثل مدرسة قبهان التي تأسست في العام 1534 من قبل السلطان خليل، وكذلك مسجد العمادية الأثري الذي يرجع تأريخه إلى ىسنة (537 هجرية) أي في عهد عماد الدين الزنكي، وكذلك مقبرة الأمراء والسلاطين الذين حكموا في العمادية وتوجد فيها كهوف للمثرائيين تعود الى ألفي سنة قبل الميلاد.

إحسان أكد أن " قلعة العمادية تعد تحفة تاريخية قديمة ما زالت شاخصة للعيان وخاصة باب الموصل الغربي الذي مازال يحتفظ بكامل هيئته والتماثيل المنحوتة على جدرانه المغطاة بالطحالب الخضراء التي تعود إلى العهود المثرائية القديمة ويضم الباب أماكن للحراس".

وتابع "كان لهذا الباب أهمية كبيرة فقد كانت القوافل التجارية الخارجة من العمادية تسلك هذا الطريق متجهة الى مدينة الموصل، ونحن كدائرة الآثار ما زلنا نهتم بهذا الباب لأنه الجزء الكبير البارز من قلعة العمادية ويحتوي على رموز أثرية هامة تبين عمق تاريخ المدينة".

خالد المفتي (مواليد 1934) وهو من أعيان العمادية قال لـ"نقاش" إن المدينة إشتهرت بصناعة الراشي الجيد، والسر في ذلك يعود إلى كونه يُنتج عن طريق مطاحن على جرف نهر العمادية، فالسمسم المطحون لا يحترق فيها بسبب تصادم أمواج المياه باسفل احجار المطحنة".

باب قصر الأمارة هو كل ما تبقى من من آثار (امارة بهدينان) التي اسسها الأمير بهاء الدين بن خليل بن عز الدين العباسي، وفي بعض الروايات الأمير بهاء الدين شجاعي الذي ينتمي الى منطقة الشيروان الكردية في سنة (1261) بحسب قول الدكتور صلاح هروري استاذ التاريخ في جامعة دهوك.

وفي داخل القلعة يظهر جامع العمادية الكبير بمئذنةٍ ترتفع (330مترا) أما تصميمها القديم فأظهرها بهيئة تشبه الفنار المنتشر عند سواحل البحار، وكان المؤذن يصعد عليها من خلال السُلَم الحلزوني الذي يصل الى قمتها.

المفتي أكد ان العمادية من المدن التي إجتمعت فيها أديان مختلفة على مر العصورة "كان يتواجد فيها اليهود الذين غادروا المدينة في الأربعينيات من القرن الماضي إلى اسرائيل ويتواجد فيها قبر لنبي لهم يسمى قبر النبي حزقيل، وما زالت فيها بقايا الأسر المسيحية وآثار كنيسة قديمة".

قرب العمادية من الحدود التركية جعلها ساحة للحروب التي دارت بين العثمانيين والصفويين في القرون الماضية، كما كانت مكانا يلوذ به عناصر البيشمركة الكردية في عهد حكم البعث، واليوم تضم المدينة مقراً للقوات التركية التي تتقاتل مع حزب العمال الكردستاني منذ ثلاثين عاما.

التأريخ الزاخر للمدينة وحب السكان لوطن اجدادهم لم يمنع الأجيال الجديدة من النزوح عنها إلى العمادية الجديدة بعدما ضاقت بهم مدينتهم.