مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

مراسل «نقاش» على خطوط تهريب السلاح بين العراق وسوريا

خاص
قبل ثلاث سنوات، كان معبر ربيعة الحدودي يمثل مدخلا غير شرعي للأسلحة القادمة من سوريا إلى الجماعات المسلحة في العراق، أما اليوم يؤدي هذا المعبر غرب مدينة الموصل الوظيفة نفسها، ولكن باتجاه معاكس. مراسل "نقاش" اتجه إلى…
8.03.2012  |  الموصل


مئة كيلو متر قطعتها بسيارة أجرة، بلغت بي ناحية ربيعة ذات المنفذ الدولي الوحيد لمحافظة نينوى إلى الجارة الغربية سوريا. انقضت ساعتان ونصف الساعة قبل وصولي المعبر، مررت خلالها بـنحو 20 سيطرة أمنية بعضها تطلب مني البطاقة الشخصية، قبل ان يودعني عناصرها بابتسامات حذرة أو متشككة.

قبل ولوج البلدة مال السائق بي يسارا على طريق بمحاذاة ساتر ترابي حدودي يفصل العراق عن سوريا. هذا الساتر طوله 270 كم في نينوى وحدها، وارتفاعه مترين، معزول عن الشارع بشريط يشكل مسافة عرضها قرابة الكيلومتر.

وضعت رحالي أخيرا في قرية حدودية صغيرة تحتوي على عشرات البيوت الطينية تبعد 130 كم غرب الموصل، يرتبط معظم أهاليها بعلاقات قرابة ومصاهرة وصداقة مع آخرين يعيشون على الضفة الأخرى من الحدود.

وكما أوضح لي السائق محمد الذي ينحدر من منطقة قريبة، فإن "الساتر والشق الموازي له بعمق مترين، لم ينجحا في فصل القلوب عن بعضها البعض، ولا فصل المصالح المتبادلة".

فأهالي القرية، تابع محمد، يعمل جزء ليس بالقليل منهم على خطوط التهريب مع شركاء لهم وأقرباء يحملون الجنسية السورية. وهم غير مكترثين لمركز الشرطة الحدودي الذي يتوسط قريتهم.

بإرشادات ذات قيمة من محمد، انتظرنا إلى أن أسدل الليل ستاره، وبدأ مئات الرجال يعبرون الشريط الحدودي "المحرم"، ويتكدسون قرب الساتر الترابي المخترق أيضا عبر عدة فتحات. ويبدو إن سوريين مثلهم في الجهة المقابلة، كانوا ينتظرون ساعة الصفر ليندفعوا مسرعين صوب الساتر.

وكما أوضح محمد بإشارة من سبّابته، فإن بعض المتأهبين على الحدود ممن يحملون علبا كرتونية هم مهربو سجائر ليس إلا. بعضهم أيضا ينصب اهتمامه على تهريب المواشي إلى العراق، وكلاهما رخيص الثمن في سوريا مقارنة مع سعره في الموصل.

لكن محمد نقل فجأة سبابته إلى اتجاه آخر مشيرا نحو مجموعة شبان ذوي قامات نحيلة، يسيرون ببطء أكبر، ويحملون على متونهم أكياسا تشبه اكياس الحبوب، ستصل حسب قوله في نهاية المطاف إلى بؤر الثورة الساخنة في سوريا.

أولاء هم مهربو السلاح يتقدمهم شاب ثلاثيني يدعى حمد، هو "أول من هرب السلاح للسوريين منذ اندلاع الثورة هناك". بهذا وصف نفسه متفاخرا، في لقاء لاحق معه.

وبينما كنا جالسين في حديقة منزله المتواضع، نشرب الشاي الأسود الثقيل، قال لنا انه سلم أحدهم، في شهر نيسان (أبريل) من العام الماضي، نحو 20 بندقية مزودة بذخيرة وعتاد، كانت الدفعة الأولى الذاهبة من منطقته إلى سوريا ، أعقبتها العشرات وبأعداد اكبر.

واستطرد حمد تأييدا لادعائه قائلا: "وقتها لم يعلم أحد عن الأمر شيئا، حتى اتسعت رقعة التمرد، ليصبح معظم أبناء قريتنا والقرى المجاورة فاعلين في المجال نفسه".

طلبت من حمد مرافقته في جولة، وبعدما استوثق أني سأخفي هويته، وبوساطة وتطمينات من السائق، حدد موعدا لها بعد يومين.

البداية كانت مع بزوغ الشمس. فعلى إثر اتصال هاتفي انطلقنا متعجلين بسيارة يقودها حمد ، نوع تويوتا بيك آب مكسوة بلون الغبار. عشر دقائق أمضيناها نتوغل في الأراضي الزراعية القاحلة، إلى أن جانبتنا أخيرا سيارة صالون زرقاء اللون أومأ سائقها لنا بكفه، فاصطففنا معا.

بعد تبادل التحيات، أخذ الرجل مفكّين طويلين من جانب مقود السيارة، واستلقى كلا السائقين على الأرض وكأنهما يصلحان عطلا في الجزء الاوسط منها. لكني فوجئت ببنادق منزوعة الكعاب ملفوفة بغطاء بلاستيكي أسود، تنتشل من جوفها.

حاولت إخفاء الارتباك الذي طفا على وجهي لحظة أن طلبا مني مراقبة المنطقة. فمدى الرؤية البعيد نتيجة انبساط الأرض يجعل من اليسير تتبع حركة المارة عن بعد تحوطا للمداهمات الأمنية. هكذا وفي غضون دقائق وجدت نفسي وكأني شريك، لا فقط مرافق صحفي، في هذه المهمة!

أربعون رشاشة نوع كلاشنكوف، وخمسون مخزن ذخيرة وضعها حمد في حقيبة مركبته، غطّاها بقماش خاكي اللون.

وعندما قفلنا عائدين إلى القرية حدثت نفسي بصوت عال لأٌسمِعَه: "من أين يأتون بها، وكيف يجتازون نقاط التفتيش العسكرية؟" فأجاب "من بغداد واربيل، لكن لا أعلم من أين بالتحديد". وقاطعته مشيرا إلى أن لكنة ذاك السائق كانت كردية، فاكتفى بالصمت ولم يعلّق.

الهدوء الذي كان سيد القرية نهارا، انقلب أول الليل إلى حركة نشطة استعدادا للسير باتجاه الساتر حيث تسلم البضاعة.

توقيت العبور تقرره الهواتف الجوالة. هكذا فعل صاحبنا، ومعه ستة شبان وزع عليهم حمولة سيارته من السلاح والذخيرة في أكياس قماشية.

توقفنا قبالة المنطقة الحدودية المحرمة لمراقبة الوضع. المئات اندفعوا وسط هرج ومرج، أغلبهم يحمل كراتين سجائر وأكياس كبيرة الحجم شدوها بحبال إلى ظهورهم، يحيطهم مسلحون يطلقون النار إلى السماء لـ "تحذير كمائن حرس الحدود من اعتراضهم"، يعلق سعيد أحد اولئك المهربين.

وبعد أقل من عشرين دقيقة، ظهر أول العائدين ومعه قطيع مواشٍ بأعداد كبيرة. وعندما اقتربوا منا قال حمد: "الليلة سقوط".

ركضت مع الشبان وعبرنا الساتر، وهناك تلقف سوريون البضاعة وغادروا سريعا. وغير بعيد عنا تمت عمليتي تسليم أيضا، ولربما كانت هناك عمليات أخرى حجبتها العتمة عنا.

ماذا قصدت بـ "ليلة السقوط" سألت حمد؟

الليلة "تمثّل أعلى درجات الأمان بالنسبة لنا" أجاب، "فتجمّعنا وإطلاقنا الرصاص في الهواء جعل الحرس لا يجرؤ على الاقتراب أبدا".

واستدرك وهو يخلص كتفه من بندقيته الشخصية، "لا قبل لهم على مواجهتنا، قبل أيام جرح ضابط لدى محاولته وجنوده التصدي لجماعتنا، ولما تمركزت قوات المغاوير بعد تكرار الاشتباكات، لم تحرك ساكنا".

سعيد وحمد وغيرهم من المهربين ممن التقيتهم ، لم يكونوا مطلعين كثيرا على التطورات الأمنية والسياسية في سوريا، ومن الصعب ان تنتزع من أحدهم تعاطفا مع أحد أطراف النزاع، لكنهم ضليعون بلا شك في مراقبة أسعار قطع السلاح الذاهبة إلى هناك.

"الأسعار ترتفع كلما قويت شوكة الثوار واتسع نشاطهم. قبل عام بعنا الرشاشة الواحدة بـ 450 دولار، اليوم يدفعون لنا 800" قال سعيد.

وأضاف: "تعبر من هنا أسلحة متوسطة بي كي سي (2100 دولار) وقاذفة الصواريخ أر بي جي (1100 دولار)، كذلك رمانات يدوية وقناصات وكاتمات الصوت وأنواع ذخيرة أخرى بأسعار مختلفة".

وتابع، "منذ عام إلى اليوم باعت مجموعتنا حوالي 1500 بندقية كلاشنكوف، و 1000 مخزن ذخيرة، ناهيك عن مئات الأنواع الأخرى".

ولمزيد من التوثق، تساءلت: "من يعلم أنها وصلت الثوار السوريين؟". من غير سابق إنذار هاتف حمد مهربا سوريا يدعى فواز، وعندما سأله أين تذهبون بالسلاح؟ تلعثم الأخير متصنعا عدم السماع. فهم حمد المغزى فأنهى اتصاله معلقا "يخشون التحدث بالخطوط السورية إنها مراقبة".

عاود الاتصال عبر الشبكة العراقية، عندها لم يتردد فواز في التحدث ليؤكد أن "كل قطعة تأتينا تنتهي لصالح الثوار".

عشرات القرى حدودية تقطنها قبائل عربية وأخرى من الطائفة اليزيدية، فيها أمثال حمد وسعيد، حتى أمسى التهريب الشغل الشاغل لأبنائها، اذ لا تكاد تخلو مجالسهم من طرائفه ومغامراته. وأغرب ما سمعته من المهربين بلوغ شخص يزيدي الساتر الحدودي، بسيارة (بيك اب) تحمل طنا من رشاشات الكلاشنكوف.

السلطات العراقية تعلم جيدا حقيقة الوضع على الحدود، فرئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة نينوى أكد "ان تهريب السلاح قائم على قدم وساق لدرجة ان سعر البندقية تضاعف مرات عدة". لكن "القضية باتت اكبر من قدرات لواء حرس الحدود السادس المتمركز في نينوى، فهناك نقص كبير في عدده وعدته"، يضيف عبد الرحيم الشمري مستغربا.

الشمري كشف أن الامر لا يتوقف عند تهريب السلاح، إذ أن عناصر من تنظيم "القاعدة" تعبر المنطقة الحدودية في ربيعة بغرض "الجهاد" في سوريا وفق معلومات استخبارية لدى الجانب العراقي.

أما أنا، فلم أرَ او اسمع شيئا من هذا القبيل خلال أربعة أيام بقيت فيها في المنطقة الحدودية، وعندما استفسرت من أهالي المنطقة نفوا جازمين، مشيرين فقط إلى استقبالهم جنودا سوريين انشقوا عن الجيش النظامي، ودخلوا البلاد عبر السواتر الترابية.