مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

مدينة القباب الذهبية
السياحة لا تدر ذهبا

عباس سرحان
على بعد مئات الأمتار على مشارف كربلاء تشخص أمامك وأنت تقصد المدينة من باب بغداد منائرها وقبابها المذهبة، وحين تترجل من السيارة بسبب ما يعترض الطريق من حواجز أمنية يواجهك طرز من الفنادق التي تصطف على جوانب الطرقات…
21.09.2009  |  كربلاء

معظم الفنادق قديم شيد قبل سنوات بعيدة، سبقت دخول العراق في أتون حروب خارجية ومشاكل داخلية في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

ومنذ تلك السنوات تعرضت مكانة كربلاء الدينية للخمول بسبب منع السلطات آنذاك ممارسة الشعائر الدينية الخاصة بالمسلمين الشيعة، واضطر رجال الدين الذين كانوا يدرسون العلوم الدينية في ما يعرف بالحوزة، اضطروا لمغادرة هي أشبه بالهروب بعد اعتقالات طالت العشرات منهم اختفوا إلى الأبد.

ولم يعد لكربلاء ذلك البريق الذي يشبه بريق الذهب في سمائها إلا بعد 2003 حين تمكن ملايين الشيعة العراقيين وغير العراقيين من التدفق نحوها بكثافة إثر الإطاحة بحكم حزب البعث في العراق.

لا تشكل الفنادق القديمة كل الصورة، فهناك محلات بيع الحلويات وأبرزها "الدهين" التي تشتهر بها هذه المدينة كونها مما يحرص الزائرون على شرائه في طريق عودتهم، كما هناك محلات بيع الهدايا أو ما يعرف بـ"الصوغات".

ويمكن بوضوح مشاهدة المئات من الزوار من جنسيات مختلفة. لكن الإيرانيين يشكلون الأكثر من بينهم، كما وهناك زوار من الهند وباكستان والأفغان المقيمين في إيران، وزوار من بعض دول الخليج التي يتواجد فيها مسلمون شيعة كالبحرين والسعودية والإمارات.

كربلاء من بين مدن عراقية دينية أخرى، هي النجف وسامراء والكاظمية تعد الأهم من الناحية الدينية لدى شريحة واسعة من المسلمين، ويعول مسؤولون ومهتمون على أن تكون هذه المدن مصدرا للدخل القومي.

"فكربلاء مدينة مهمة دينيا لعدد كبير من المسلمين موزعين في أنحاء مختلفة من العالم، وكل هؤلاء يسعون لزيارتها" هذا ما قاله محافظ كربلاء آمال الدين الهر وهو يشير إلى إمكانية أن تكون كربلاء مصدرا سياحيا هاما يدر عائدات كبيرة على العراق، ما يعود بالنفع على البلد بشكل عام وعلى المدينة على وجه الخصوص.

لكن هذه العبارة المتفائلة ترسم آفاقا أوسع مما يسمح به واقع السياحة الدينية في كربلاء، فهذه المدينة التي تقع جنوب العاصمة العراقية بغداد بـ130 كم، وتحفها صحراء رملية واسعة من الجنوب والجنوب الغربي تتصل بصحراء رملية تمتد نحو كل من السعودية والأردن، وتحيطها من الشرق والشمال بساتين باتت تشكو من آثار العطش. هذه المدينة لا يبدو أنها تستفيد كثيرا من حركة السياحة الدينية.

ويعزو حسين شدهان عضو لجنة السياحة الدينية في الحكومة المحلية، قلة العائدات المالية من السياحة إلى "أن من نطلق عليهم سياحا قدموا فعلا لأداء مراسيم دينية ولم يهتموا كثيرا بالجانب الترفيهي".

وهناك في كربلاء من يعتقد أن "تخلف مجالات الترفيه والعمران في المدينة يعد سببا رئيسيا لعدم الاستفادة أكثر من السياحة الدينية" كما يقول دكتور الاقتصاد احمد باهض تقي، فـ "كربلاء مدينة فنادق وليست مدينة مرافق سياحية" على حد وصفه، حيث يوجد فيها أكثر من 300 فندق ومنزل مخصصة لاستقبال الزوار ويصنف عدد من هذه الفنادق ضمن الدرجة الثانية، ولا توجد فنادق من الدرجة الممتازة.

وهذا المؤشر ليس الوحيد على تأخر مجالات الانفاق على السياحة في كربلاء، فالمدينة تفتقد إلى إلى مجالات ترفيهية، ويقول عدد من الزائين التقتهم "نقاش" أن رحلتهم نحو كربلاء تنتهي عند وضع حقائبهم في الغرف المخصصة لهم والمحجوزة مسبقا من قبل شركة سياحية تتولى نقل الزوار هي شركة شمسا الإيرانية، التابعة لهيئة الحج والعمرة الإيرانية و"بعد إلقاء حقائبهم يبدأ الزوار بالتوجه نحو الحرمين لأداء مراسيم الزيارة" بحسب الزائر الإيراني علي غلام بور من مدينة كرج في العاصمة طهران.

ويضيف علي غلام بور إن" الزوار الإيرانيين يرغبون أولا بزيارة العتبات الدينية لكنه يرغبون بالترويح عن أنفسهم ايضا إن وجدت أمكنة ممتعة".

واللافت أن كربلاء لا تبدو مدينة سياحية، فهي مزدحمة في مركزها بسبب تكدس الزائرين في هذه المنطقة كما أن أغلب الفنادق تقع في هذا المركز.

ويقول علي عبد الرضا صاحب فندق المغرب أن "ضيق حركة الزائرين وانحسارها بوسط المدينة لن يسمح بإنفاق أكبر"، ويضيف أن "إنفاق الزائرين يقتصر على المبيت والمأكل وتسوق بعض الحاجات القليلة".

لكن عبد الرضا يستدرك بالقول إن "الزائر الإيراني يدفع لأصحاب الفنادق 18 دولارا عن كل 24 ساعة ويحظى بوجبة طعام، ولا يستخدم وسائط النقل إلا ما ندر كونه يحل قريبا من الحرمين" وهو ما يعده إنفاقا محدودا لن يسهم بإنعاش سوق المدينة.

ويعتقد عبد الرضا أن "ازدهار السياحة في كربلاء يتطلب إنشاء مرافق سياحية وترفيهية" مضيفا بالقول إن "الزوار الإيرانيين الذين يقصدون كربلاء منفردين وليس عن طريق شركة شمسا، بالإضافة إلى الزوار العرب أكثر فائدة للمدينة من ناحية الإنفاق".

وكانت لجنة السياحة الدينية في مجلس محافظة كربلاء السابق قد دعت إلى تشكيل وزارة خاصة بالشعائر الدينية، وقال رئيس اللجنة آنذاك عبد الحسن الفراتي خلال زيارة الأربعين الماضية، إحدى المناسبات الدينية الهامة لدى المسلمين الشيعة إن" كربلاء بحاجة إلى جهد حكومي واسع من أجل تطويرها لتكون مدينة سياحية تعود حركة السياح فيها بالنفع على العراق بشكل عام".

لكن المفارقة أن أصحاب المصالح التجارية في كربلاء عارضوا بشدة خطة سابقة أعدتها وزارة البلديات بالتنسيق من مراكز هندسية، لإزالة أبنية في وسط المدينة وإنشاء مرافق خدمية وسياحية فيها، واعتبروا ذلك تجاوزا على حقوقهم وتاريخ المدينة.

باختصار يمكن إيجاز مشاكل السياحة في كربلاء بـ" قلة المرافق الترفيهية، وعدم وجود مواصلات متطورة، والافتقار إلى أسواق حديثة وصعوبة حصول الزائرين الأجانب على تأشيرة دخول إلى العراق" على حد قول دكتور الاقتصاد خالد علي العرادي، الذي يعتقد أن الاستثمار هو الحل للكثير من مشاكل السياحة في كربلاء. ولكن يبدو أن الاستثمار في كربلاء وربما في العراق بشكل عام ما زال متعثرا بسبب ظروف عديدة، منها ما يتعلق بالأمن ومنها ما هو متعلق بجوانب أخرى قانونية وإدارية.

(Photo by Abbas Sarhan / Niqash.org)